دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢١٤ - باب سياق قصّة خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أحد و كيف كانت الوقعة
(١) القوم لذهاب العدوّ و انتشروا يتبعون قتلاهم، فلم يجدوا قتيلا إلا قد مثّلوا به، الا حنظلة بن أبي عامر، كان أبوه مع المشركين فترك له و زعموا أن أباه وقف عليه قتيلا، فدفع صدره برجله ثم قال ذنبان أصبتهما قد تقدّمت إليك في مصرعك هذا يا دبيس و لعمر اللَّه إن كنت لواصلا للرحم برّا بالوالد.
و وجدوا حمزة بن عبد المطلب عم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد بقر بطنه، و حملت كبده احتملها وحشي و هو قتله يذهب بكبده إلى هند بنت عتبة في نذر نذرته حين قتل أباها يوم بدر، و أقبل المسلمون على قتلاهم يدفنونهم فدفن حمزة في نمرة كانت عليه إذا رفعت إلى رأسه بدت قدماه، و إذا أنزلت إلى رجليه بدا وجهه، فجعلوا أعوادا من شجر و حجارة فوضعوها على قدميه و غطوا وجهه.
قال موسى: قال ابن شهاب: فلما فرغ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لدفن الشهداء، قال: زمّلوهم بجراحهم فانه ليس كلم يكلم في اللَّه إلا و هو يأتي يوم القيامة يدمى لونه لون الدم و ريحه ريح المسك، ثمّ قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أنا الشهيد على هذا يوم القيامة،»، ثم قام رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يدفنون على عينيه، و لم يغسّلهم و لم يصلّ على أحد منهم كما يصلى على الموتى، و لم يدفنهم في غير ثيابهم التي قتلوا فيها.
قال: و هم يدفنون الرهط في الحفرة الواحدة، أيّ هؤلاء كان أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير إلى الرجل منهم قدّمه في اللّحد قبل أصحابه حتى فرغ من دفنهم.
و خرج نساء من المهاجرات و الأنصار يحملن على ظهورهن الماء و الطعام و خرجت فيهم فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما رأت أباها و الذي به من الدماء اعتنقته، و جعلت تمسح الدماء عن وجهه و رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «اشتد غضب اللَّه على قوم دمّوا وجه رسول اللَّه، و اشتد غضب اللَّه على رجل قتله رسول اللَّه».