دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٣٧ - باب ما أصاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المسلمين من محاصرة المشركين إياهم من البلاء،
(١) ثم تيمّموا مكانا من الخندق ضيقا، فضربوا خيولهم فاقتحموا، فجالت في سبخة بين الخندق و سلع، و خرج عليّ- رضي اللّه عنه- في نفر معه من المسلمين، حتى أخذ عليهم الثغرة التي منها اقتحموا، فأقبلت الفوارس تعنق نحوهم، و كان عمرو بن عبد ودّ فارس قريش، و كان قد قاتل يوم بدر حتى ارتثّ [١٦]، و أثبتته الجراحة، فلم يشهد أحدا، فلما كان الخندق خرج معلما [١٧] ليرى مشهده فلما وقف هو و خيله،
قال عليّ رضي اللّه عنه: يا عمرو قد كنت تعاهد اللّه لقريش، ألّا يدعو رجل إلى خلّتين الا قبلت منه إحداهما.
فقال عمرو: أجل، فقال له عليّ: فإني أدعوك إلى اللّه، و إلى رسوله، و الإسلام فقال: لا حاجة لي في ذلك. قال: فإني أدعوك إلى البراز، قال له:
يا بن أخي لم؟ فو اللّه ما أحب أن أقتلك، فقال علي رضي اللّه عنه لكني و اللّه لأحب أن أقتلك، فحمي عمرو، فاقتحم عن فرسه فعقره، ثم أقبل فجاء إلى علي فتنازلا، و تجاولا، فقتله عليّ، و خرجت خيلهم منهزمة هاربة، حتى اقتحمت من الخندق [١٨].
و ذكر ابن إسحاق خروجهم، و دعاء عمرو إلى البراز على وجه آخر في الإسناد الذي ذكرناه. فقال: و كان ممن خرج يوم الخندق هبيرة بن أبي وهب المخزوميّ، و اسم أبي وهب جعدة، و خرج نوفل بن عبد اللّه بن المغيرة المخزومي يسأل المبارزة، فخرج اليه الزبير بن العوام- رضي اللّه عنه- فضربه ضربة، فشقّه باثنتين، حتى فلّ في سيفه فلّا، فانصرف و هو يقول:
إني امرؤ أحمي و أحتمي* * * عن النبي المصطفى الأمّي [١٩]
[١٦] (ارتث): حمل جريحا من المعركة.
[١٧] (معلما): «هو الذي يجعل لنفسه علاما و شعارا يعرف بهما».
[١٨] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٨- ١٧٩)، و نقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٠٥).
[١٩] البداية و النهاية (٤: ١٠٧) عن ابن إسحاق.