دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٩٤ - باب ما جرى بعد انقضاء الحرب و ذهاب المشركين في أمر القتلى و الجرحى و من أجاد الحرب و ما ظهر من الآثار في حال الشهداء على طريق الاختصار
(١) و يقال أن معاوية لما أراد أن يجرى الكظّامة [٤٠] نادى مناديه بالمدينة: من كان له قتيل بأحد فليشهد، فخرج الناس إلى قتلاهم فوجدوهم رطابا يتثنّون، فأصابت المساحة رجل رجل منهم فانثعب دما، فقال أبو سعيد الخدريّ: لا ينكر بعد هذا منكر، و وجد عبد اللّه بن عمرو، و عمرو بن الجموح في قبر واحد، فحوّلا.
و ذلك أنّ القناة كانت تمر على قبرهما، و وجد خارجة بن زيد بن أبي زهير و سعد بن الربيع في قبر واحد فتركا.
و لقد كانوا يحفرون التراب فحفروا نثرة من تراب، ففاح عليهم ريح المسك [٤١].
قلت: كذا في رواية أهل المغازي أنه كان مع عمرو بن الجموح في قبر واحد إلى الوقت المذكور فيها، و قد أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرني أبو عمرو المقرئ، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا مسدّد، قال: حدثنا بشر بن المفضّل قال: حدثنا حسين المعلم، عن عطاء، عن جابر، قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل، فقال: ما أراني إلّا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إنّي لا أترك بعدي أعزّ عليّ منك غير نفس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أن عليّ دينا فاقض و استوص بأخواتك خيرا، فأصبحنا فكان أول قتيل، فدفنت معه آخر في قبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هنيّة غير أذنه.
[٤٠] الكظامة: كالقناة و جمعها كظائم، و هي آبار تحضر في الأرض متناسقة، و يخرق بعضها الى بعض تحت الأرض، فتجمع مياهها جارية، ثم تخرج عند منتهاها فتسيح على وجه الأرض.
[٤١] الخبر بطوله في مغازي الواقدي (١: ٢٦٦- ٢٦٨).