دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣١٩ - باب سريّة
(١)
باب سريّة [١] أبي سلمة [٢] ابن عبد الأسد إلى قطن
أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ قال: أخبرني أبو عبد اللّه الأصبهاني، قال:
[١] بعد ان خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى حمراء الأسد غداة يوم أحد يطارد العدوّ و يطلبه، و ظل يوقد النار طيلة الليل ثلاثة ايام متتابعة، ليدلّ قريشا على أنه على عزمه و أنه منتظر رجعتهم، و زعزع هذا همة ابي سفيان و قريش، فآثروا ان يعودا ادراجهم ميممين مكة، و رجع محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) الى المدينة، و قد استردّ كثيرا من مكانة تزعزعت على أثر أحد.
و استمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على هذه السياسة، فلما بلغه- بعد شهرين من أحد- أن طليحة و سلمة ابني خويلد، و كانا على رأس بني اسد، يحرّضان قومهما و من أطاعهما يريدان مهاجمة المدينة، و السير الى محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عقر دار ليصيبوا من أطرافه، و ليغنموا من نعم المسلمين التي ترعى الزروع المحيطة بمدينتهم، و إنما شجعهم على ذلك اعتقادهم ان محمدا و أصحابه لا يزالون مضعضعين من اثر احد، فما لبث النبي حين اتصل به الخبر ان دعا اليه أبا سلمة بن عبد الأسد، و عقد له لواء سرية تبلغ عدتها مائة و خمسين منهم: أبو عبيدة بن الجراح، و سعد بن أبي وقاص، و أسيد بن حضير، و أمرهم بالسير ليلا و الاستخفاء نهارا، و سلوك طريق غير مطروق، حتى لا يطّلع احد على خبرهم، فيفجئوا العدو بالإغارة عليه على غرة منه، و نفذ أبو سلمة ما أمر به، و أحاط بهم في عماية الصبح، فلم يستطع المشركون ان يثبتوا لهم، و انتصر المسلمون و غنموا كما وجه الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد ذلك سرية عبد اللّه بن أنيس، يستطلع جلية خبر خالد بن سفيان الهذلي الذي جمع الناس و سار بهم الى المسلمين، و قد انتهى امر خالد بأن قتله أنيس، و من ثم هدأت بنو لحيان بعد موت زعيمها.
[٢] هو أبو سلمة عبد اللّه بن عبد الأسد بن هلال، السيد الكبير أخو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الرضاعة،