دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٥٩ - باب ما جاء في دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على المشركين قبل التقاء الجمعين و بعده، و دعاء أصحابه عليهم، و استغاثتهم ربهم، و استجابة اللّه تعالى لهم، و إمدادهم بالملائكة، و إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن مصارع القوم قبل وقوعها، و ما ظهر في ذلك من آثار النبوة
(١)
[ ()] بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ الآيات، هل كان هذا الوعد يوم بدر أو يوم أحد؟ فقال ابن عباس و الحسن، و قتادة، و عامر الشعبيّ، و الربيع بن أنس، و غيرهم، و عليه جرى الإمام البخاريّ في صحيحه و اختاره ابن جرير. و قال الحافظ: إنه قول الأكثر. و إن قوله تعالى:
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلى إِنْ تَصْبِرُوا
وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ يتعلق بقوله: وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ لأن السّياق يدل على ذلك، فإنه سبحانه و تعالى قال:
وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ
يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ إلى أن قال: وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ أي هذا الإمداد إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ قالوا: فلمّا استغاثوا أمدّهم بألف، ثم أمدّهم بتمام خمسة آلاف لمّا صبروا و اتّقوا، و كان هذا التّدريج و متابعة الإمداد أحسن موقعا، و أقوى لنفوسهم و أسرّ لها من أن تأتي دفعة، و هو بمنزلة متابعة الوحي و نزوله مرّة بعد مرّة. فإن قيل:
فما الجمع بين هذه الآية و بين قوله تعالى في قصة بدر: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ إلى آخر الآية؟ فالجواب: أن التّنصيص على الألف هنا لا ينافي الثلاثة آلاف فما فوقها، لقوله: مردفين، يعني بردفهم غيرهم، و يتبعهم ألوف أخر مثلهم، و هذا السياق شبيه بالسّياق في سورة آل عمران، فالظاهر أنّ ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أنّ قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، و قالت شرذمة: هذا الوعد بالإمداد بالثلاثة و بالخمسة كان يوم أحد، و كان إمدادا معلّقا على شرط، و هو التّقوى و مصابرة عدوّهم فلم يصبروا، بل فرّوا، فلما فات شرطه فات الإمداد فلم يمدّوا بملك واحد، و القصة في سياق أحد، و إنما أدخل ذكر بدر اعتراضا في آيتها فإنه قال: وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ثم قال: وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فذكّرهم نعمته عليهم لمّا نصرهم ببدر و هم أذلّة، ثم عاد إلى قصة أحد و أخبر عن قول رسوله أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ثم وعدهم إن صبروا و اتّقوا أن يمدّهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، و الإمداد الذي ببدر من قوله تعالى هذا:
بِخَمْسَةِ آلافٍ و إمداد بدر بألف، و هذا معلّق على شرط و ذاك مطلق، و القصة في سورة آل عمران هي قصّة أحد مستوفاة مطوّلة، و بدر ذكرت فيها اعتراضا، و القصّة في سورة الأنفال توضّح هذا.
قال الحافظ بن حجر: و يؤيّد ما ذهب إليه الجمهور ما رواه ابن أبي شيبة و ابن جرير و ابن أبي