دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٣٤ - باب ما أصاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المسلمين من محاصرة المشركين إياهم من البلاء،
(١) اللّه عز و جل قال لهم في سورة البقرة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [٩]، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا، حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
فلما مسّهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق و تأوّل المؤمنون ذلك و لم يزدهم إلا إيمانا و تسليما [١٠].
[٩] [البقرة- ٢١٤].
[١٠] قال القرطبي (١٤: ١٥٧).
فلما رأوا الأحزاب يوم الخندق قالوا: «هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ»، قاله قتادة.
و قول ثان رواه كثير بن عبد اللّه بن عمرو المزني عن أبيه عن جده قال: خطب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عام ذكرت الأحزاب فقال: «أخبرني جبريل (عليه السلام) أن أمتي ظاهرة عليها- يعني على قصور الحيرة و مدائن كسرى- فأبشروا بالنصر» فاستبشر المسلمون و قالوا: الحمد للّه، موعد صادق، إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر. فطلعت الأحزاب فقال المؤمنون: «هذا ما وعدنا اللّه و رسوله» ذكره الماوردي.
و «ما وعدنا» إن جعلت «ما» بمعنى الذي فالهاء محذوفة. و ان جعلتها مصدرا لم تحتج الى عائد وَ ما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَ تَسْلِيماً قال الفراء: و ما زادهم النظر الى الأحزاب. و قال علي بن سليمان: «رأى» يدل على الرؤية، و تأنيث الرؤية، غير حقيقي، و المعنى: ما زادهم الرؤية إلا إيمانا بالرب و تسليما للقضاء، قاله الحسن. و لو قال: ما زادوهم لجاز.
و لما اشتدّ الأمر على المسلمين و طال المقام في الخندق، قام (عليه السلام)، على التل الذي عليه مسجد الفتح في بعض الليالي، و توقع ما وعده اللّه من النصر و قال: «من يذهب ليأتينا بخبرهم و له الجنة» فلم يجبه احد. و قال ثانيا و ثالثا فلم يجبه احد، فنظر الى جانبه و قال: «من هذا»؟ فقال حذيفة. فقال: «ألم تسمع كلامي منذ الليلة» قال حذيفة: فقلت يا رسول اللّه، منعني أن أجيبك الضّرّ و القرّ، قال: «انطلق حتى تدخل في القوم فتسمع كلامهم و تأتيني بخبرهم. اللهم احفظه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله حتى تردّه إليّ، انطلق و لا تحدث شيئا حتى تأتيني». فانطلق حذيفة بسلاحه، و رفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يده يقول:
«يا صريخ المكروبين و يا مجيب المضطرين اكشف همي و غمي و كربي فقد ترى حالي و حال أصحابي». فنزل جبريل و قال: «إن اللّه قد سمع دعوتك و كفاك هول عدوك» فخر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ركبتيه و بسط يديه و أرخى عينيه و هو يقول: «شكرا شكرا كما رحمتني و رحمت أصحابي». و أخبره جبريل أن اللّه تعالى مرسل عليهم ريحا، فبشر أصحابه بذلك. قال