دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١١٦ - باب سياق قصة بدر عن مغازي موسى بن عقبة فإنها فيما قال أهل العلم أصح المغازي، و لنأت على ما سقط من تلك القصة عما ذكرنا منها في الأخبار المتفرقة
(١) استأسر فأبى أبو البختري أن يستأسر و شدّ عليه بالسيف فطعنه الأنصاري بين ثدييه و أجهز عليه.
و أقبل رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى وقف على القتلى فالتمس أبا جهل فلم يجده حتى عرف ذلك في وجه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال اللهم لا يعجزني فرعون هذه الأمّة،
فسعى له الرجال حتى وجده عبد اللَّه بن مسعود مصروعا بينه و بين المعركة غير كبير، مقنّعا في الحديد واضعا سيفه على فخذيه ليس به جرح و لا يستطيع أن يحرك منه عضوا و هو منكب ينظر إلى الأرض. فلما رآه عبد اللَّه بن مسعود أطاف حوله ليقتله و هو خائف أن يثور إليه و أبو جهل مقنّع في الحديد، فلما دنا منه و أبصره لا يتحرك ظنّ عبد اللَّه أن أبا جهل مثبت جراحا فأراد أن يضربه بسيفه فخشي أن لا يغني سيفه شيئا فأتاه من ورائه فتناول قائم سيفه فاستله و هو منكبّ لا يتحرك، فرفع عبد اللَّه سابغة البيضة عن قفاه فضربه، فوقع رأسه بين يديه ثم سلبه، فلما نظر إليه إذا هو ليس به جراح و أبصر في عنقه جدرا و في يديه و في كتفيه كهيئة آثار السياط.
و أتى ابن مسعود النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبره أن أبا جهل قد قتل و أخبره بالذي وجد به فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): ذلك ضرب الملائكة، و قال: اللهم قد أنجزت ما وعدتني.
و رجعت قريش إلى مكة مغلوبين منهزمين و كان أول من قدم بهزيمة المشركين الحيسمان الكعبيّ و هو جد حسن بن غيلان، فاجتمع عليه الناس عند الكعبة يسألونه لا يسأل عن رجل من أشراف قريش إلا نعاه، فقال صفوان بن أمية و هو قاعد مع نفر من قريش في الحجر: و اللَّه ما يعقل هذا الرجل، و لقد طار قلبه سلوه عني فإني أظنه سوف ينعاني، فقال بعضهم للحيسمان هل لك علم بصفوان بن أميّة؟ قال نعم هو ذاك جالس في الحجر، و لقد رأيت أباه أميّة ابن خلف قتل.
ثم تتابع فلّ المشركين من قريش و نصر اللَّه عز و جلّ رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)