دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٩٣ - باب ما جرى بعد انقضاء الحرب و ذهاب المشركين في أمر القتلى و الجرحى و من أجاد الحرب و ما ظهر من الآثار في حال الشهداء على طريق الاختصار
(١) بهما فدفّناهما في القتلى حيث قتلا، قال: فبينما أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل، فقال: يا جابر، و اللّه، لقد أثار أباك عمال [٣٧] معاوية فبدأ فخرج طائفة منه، قال: فأتيته فوجدته على النحو الذي تركته لم يتغير منه شيء، إلا ما لم يدع القتيل، قال: فواريته [٣٨].
أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن بطّة، قال:
حدّثنا الحسن بن الجهم بن مصقلة، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال:
حدثنا محمد بن عمر الواقدي، عن شيوخه في قصة عبد اللّه بن عمرو بن حرام، قالوا: فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد: ادفنوا عبد اللّه بن عمرو بن حرام، و عمرو بن الجموح في قبر واحد، و يقال: إنما أمر بذلك لما كان بينهما من الصّفاء، فقال: ادفنوا هذين المتحابّين في الدنيا، في قبر واحد،
و يقال انهما وجدا و قد مثّل بهما كل المثل، فلم تعرف أبدانهما، و كان عبد اللّه بن عمرو رجلا أحمر أصلع ليس بالطويل، و كان عمرو بن الجموح رجلا طويلا، فعرفا و دخل السّيل عليهما، و كان قبرهما مما يلي السيل فحفر عنهما و عليهما نمرتان [٣٩]، و عبد اللّه قد أصابه جرح في يده، فيده على جرحه، فأميطت يده عن جرحه فانثعب الدم فردّت إلى مكانها فسكن الدّم، قال جابر: فرأيت أبي في حفرته، فكأنه نائم، فقيل له: أ فرأيت أكفنته؟ فقال: إنما دفن في نمرة خمّر بها وجهه، و على رجليه الحرمل، فوجدنا النّمرة كما هي و الحرمل على رجليه على هيئته، و بين ذلك ست و أربعون سنة، فشاورهم جابر في أن يطيّب بمسك، فأبى ذلك أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).
[٣٧] سقطت من (أ).
[٣٨] هو مطول الحديث السابق، و نقله ابن كثير في البداية و النهاية (٤: ٤٣) بطوله، و قال: «رواه أبو داود، و النسائي من حديث الثوري، و الترمذي من حديث شعبة، و النسائي أيضا و ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة، كلهم عن الأسود، عن نبيح، عن جابر.
[٣٩] في (أ): «أنمرتان» و النمرة: شملة. فيها خطوط بيض و سود.