دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٧٥ - باب استفتاح أبي جهل بن هشام عند التقاء الصفين و قوله أو قول من قال منهم بمكة
(١) حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ غير مرة، قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن النضر، قال: حدثنا عبيد اللَّه بن معاذ بن معاذ، قال: أخبرنا أبي قال: حدثنا شعبة، عن عبد الحميد صاحب الزيادي، قال:
سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو جهل «اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [٥] فنزلت: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [٦]» الآية.
[ ()] [أي] عن الكفر فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. وَ إِنْ تَعُودُوا أي إلى هذا القول و قتال محمد.
نَعُدْ إلى نصر المؤمنين. وَ لَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ أي [عن] جماعتكم شَيْئاً.
وَ لَوْ كَثُرَتْ أي في العدد.
٢- يكون خطابا للمؤمنين، أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. وَ إِنْ «تَنْتَهُوا» أي عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم و الأسرى قبل الإذن، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. وَ إِنْ تَعُودُوا أي إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم. كما قال: لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الآية.
٣- أن يكون إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ خطابا للمؤمنين، و ما بعده للكفار. أي و إن تعودوا إلى القتال نعد إلى مثل وقعة بدر. القشيري: و الصحيح أنه خطاب للكفار، فإنهم لما نفروا إلى نصرة العير تعلّقوا بأستار الكعبة و قالوا: اللهم أنصر أهدى الطائفتين، و أفضل الدّينين.
المهدويّ: و روى أن المشركين خرجوا معهم بأستار الكعبة يستفتحون بها، أي يستنصرون.
[٥] الآية الكريمة (٣٢) من سورة الأنفال.
[٦] الآية الكريمة (٣٣) من سورة الأنفال، و قال القرطبي (٧: ٣٩٩):
لما قال أبو جهل: «اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك» الآية، نزلت وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ كذا في صحيح مسلم. و قال ابن عباس: لم يعذب أهل قرية حتى يخرج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) منها و المؤمنون، و يلحقوا بحيث أمروا. وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ابن عباس: كانوا يقولون في الطواف: غفرانك. و الاستغفار و إن وقع من الفجار يدفع به ضرب من الشرور و الإضرار. و قيل: إن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم. أي و ما كان اللَّه معذبهم و فيهم من يستغفر من المسلمين فلما خرجوا عذبهم اللَّه يوم بدر و غيره، قال الضحاك و غيره: و قيل: إن الاستغفار هنا يراد به الإسلام. أي وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي يسلمون، قاله مجاهد و عكرمة. و قيل: وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي في أصلابهم من يستغفر اللَّه. روي عن مجاهد أيضا. و قيل: معنى يَسْتَغْفِرُونَ لو استغفروا. أي