دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٠٦ - باب سياق قصة الخندق من مغازي موسى ابن عقبة
(١)
و اشتد البلاء و الحصر على المسلمين و شغلتهم أنفسهم فلا يستريحون ليلا و لا نهارا، و أراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يبعث رجلا فيخرج من الخندق فيعلم ما خبر القوم، فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجلا من أصحابه فقال هل أنت مطّلع القوم؟ فاعتل فتركه، و أتى آخر فقال مثل ذلك، و حذيفة بن اليمان يسمع ما يقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو في ذلك صامت لا يتكلم ممّا به من الضّرّ و البلاء، فأتاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو لا يدري من هو، فقال: من هذا؟ قال أنا حذيفة بن اليمان، قال: إياك أريد أسمعت حديثي منذ الليلة و مسألتي الرجال لأبعثهم فيتخبرون لنا خبر القوم؟ قال حذيفة: و الذي بعثك بالحق إنه لبإذني، قال: فما منعك أن تقوم حين سمعت كلامي؟ قال: الضّرّ و الجوع، فلما ذكر الجوع ضحك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: قم حفظك اللّه من أمامك و من خلفك و من فوقك و من تحتك و عن يمينك و عن شمالك حتى ترجع إلينا، فقام حذيفة مستبشرا بدعاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كأنه احتمل احتمالا، فما شق من جوع و لا خوف و لا درى شيئا مما أصابه قبل ذلك من البلاء،
فانطلق حتى أجاز الخندق من أعلاه فجلس بين ظهري المشركين فوجد أبا سفيان قد أمرهم أن يوقدوا النيران، و قال: ليعلم كل امرئ من جليسه، فقبض حذيفة على يد رجل عن يمينه، فقال: من أنت؟ قال: أنا فلان، و قبض يد رجل عن يساره، قال: من أنت؟ قال: أنا فلان، و بدرهم بالمسألة خشية أن يفطنوا له.
ثم أن أبا سفيان أذن بالرحيل، فارتحلوا و حملوا الأثقال فانطلقت، و وقفت الخيل ساعة من الليل، ثم انطلقت، و سمعت غطفان الصّياح و الإرصاء من قبل قريش فبعثوا إليهم، فأتاهم الخبر برحيلهم فانقشعوا لا يلوون على شيء، و قد كان اللّه عز و جل قبل رحيلهم قد بعث عليهم بالريح بضع عشرة ليلة، حتى ما خلق اللّه لهم بيتا يقوم، و لا رمحا، حتى ما كان في الأرض منزل أشدّ عليهم و لا أكره إليهم من منزلهم ذلك، فأقشعوا و الريح أشدّ ما كانت معها جنود اللّه لا ترى كما قال اللّه عز و جل.