دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢١٦ - باب سياق قصّة خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أحد و كيف كانت الوقعة
(١) رجل من المسلمين قائم ينتظره و عليه لأمته فمضيت حتى كنت من ورائه ثم قمت أقدّر المسلم و الكافر ببصري فإذا الكافر أفضلهما عدّة و هيئة، قال: فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف بلغت وركه، و تفرق فرقتين، ثم كشف المسلم عن وجهه فقال كيف ترى يا كعب: أنا أبو دجانة.
فلما دخل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أزقة المدينة إذا النوح و البكاء في الدور فقال: ما هذا؟ قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم، قال: و أقبلت امرأة تحمل ابنها و زوجها على بعير قد ربطتهما بحبل، ثم ركبت بينهما، و حمل منهم قتلى فدفنوا في مقابر المدينة، فنهاهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن حملهم، و قال: و اروهم حيث أصيبوا و قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين سمع البكاء لكن حمزة لا بواكي له.
و استغفر له فسمع ذلك: سعد بن معاذ، و سعد بن عبادة، و معاذ بن جبل، و عبد اللَّه بن رواحة، فمشوا في دورهم، فجمعوا كل نائحة و باكية كانت بالمدينة، فقالوا: و اللَّه لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عمّ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فإنه قد ذكر أن لا بواكي له بالمدينة، و زعموا أن الذي جاء بالنوائح عبد اللَّه بن رواحة فلما سمع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) البكاء قال ما هذا؟ فأخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم فاستغفر لهم و قال لهم خيرا، و قال: ما هذا أردت و ما أحبّ البكاء، و نهى عنه، و قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): ثلاث من عمل الجاهلية لن تتركهنّ أمتي: النياحة على الموتى، و الطعن في النسب، و قيل هذا المطر بنوء كذا و كذا و ليس بنوء إنما هو عطاء اللَّه و رزقه» [١٢].
و أخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر و التفريق عن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تحزين المؤمنين، و ظهر غش اليهود، و فارت المدينة بالنفاق فور المرجل
[١٢] الحديث أخرجه الترمذي في: ٨- كتاب الجنائز (٢٣) باب ما جاء في كراهية النوح، الحديث (١٠٠١) ص (٣: ٣١٦)، و قال ابو عيسى: «هذا حديث حسن».