دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢١٢ - باب سياق قصّة خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أحد و كيف كانت الوقعة
(١) بني عبد الدار يقي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقتل مصعب بن عمير، و أبصر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ترقوة أبيّ بن خلف من فرجة بن سابغة البيضة و الدرع، فطعنه بحربته، فوقع أبيّ عن فرسه، و لم يخرج من طعنته دم، قال سعيد: فكسر ضلعا من أضلاعه ففي ذلك نزل وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [٨]، فأتاه أصحابه و هو يخور خوار الثور فقالوا: ما جزعك إنما هو خدش،
فذكر لهم قول رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «بل أنا أقتل أبيّا»، ثم قال: و الذي نفسي بيده، لو كان هذا الذي بي بأهل المجاز لماتوا أجمعون،
فمات أبيّ قبل أن يقدم مكة، فلما لحق رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أصحابه و نظروا اليه، و معه: طلحة، و الزبير، و سهل ابن حنيف، و الحارث بن الصّمّة، أخو بني النجار، ظنّ أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن النفر من عدوهم، فوضع أحدهم سهما على كبد قوسه فأراد أن يرمي، فلما تكلموا و ناداهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عرفوه، فكأنه لم يصبهم بلاء في أنفسهم قط حين عرفوا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فبينما هم كذلك إذ عرّض لهم الشيطان نفسه و وسوسته و تحزينه حين أبصروا عدوهم قد انفرجوا عنهم، فبينما هم كذلك يذكرون قتلاهم و إخوانهم و يسأل بعضهم بعضا عن حميمه، فيخبر بعضهم بعضا بقتلاهم، و قال: اشتد حزنهم، أدبر اللَّه عليهم المشركين و غمّهم بهم ليذهب بذلك الحزن عنهم، فإذا عدوهم فوق الجبل قد علوهم، فنسوا عند ذلك الحزن و الهموم على إخوانهم، ثمّ أنزل اللَّه عز و جل: على طائفة مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ، كما قال اللَّه عز و جل: وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ ...، يَقُولُونَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا، قال اللَّه عز و جل: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إلى قوله: عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [٩]، و كانا غمّين: فهذا الغمّ الآخر، و الغمّ
[٨] الآية الكريمة (١٧) من سورة الأنفال.
[٩] الآية الكريمة (١٥٤) من سورة آل عمران.