دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٥٢ - باب إرسال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حذيفة بن اليمان، رضي اللّه عنه إلى عسكر المشركين و ما ظهر له في ذلك من آثار النبوة بوقوفه ليلتئذ على ما أرسل على المشركين من الريح، و الجنود، و تصديق اللّه سبحانه قول نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيما وعد حذيفة من حفظ اللّه إياه عن الأسر و البرد
(١) أشدّ ظلمة و لا أشدّ ريحا في أصوات ريحها أمثال الصواعق و هي ظلمة، ما يرى أحد منا أصبعه فجعل المنافقون يستأذنون النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يقولون: إن بيوتنا عورة و ما هي بعورة، فما يستاذنه أحد منهم إلّا أذن له، فيأذن لهم، فيتسللون و نحن ثلاثمائة و نحو ذلك، إذ استقبلنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجلا، رجلا حتى مرّ عليّ، و ما عليّ جنّة من العدوّ، و لا من البرد، الّا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، قال: فأتاني و انا جاث على ركبتي، فقال من هذا؟ فقلت: حذيفة، فقال: حذيفة! قال:
فتقاصرت بالأرض، فقلت، بلى يا رسول اللّه كراهية ان أقوم، قال: قم، فقمت، فقال: أنه كائن في القوم خير، فأتيني بخبر القوم، قال و أنا من أشد الناس فزعا و أشدّهم قرا، فخرجت، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اللهم احفظه من بين يديه، و من خلفه، و عن يمينه، و عن شماله، و من فوقه، و من تحته، قال: فو اللّه ما خلق اللّه فزعا، و لا قرّا، في جوفي إلا خرج من جوفي فما أجد منه شيئا، قال فلمّا ولّيت، قال يا حذيفة لا تحدثنّ في القوم شيئا حتى تأتينى،
فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم، نظرت في ضوء نار لهم توقد و إذا رجل أدهم ضخم، يقول بيده على النار، و يمسح خاصرته و يقول: الرّحيل، الرحيل، و لم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه على كبد قوسي، لارميه في ضوء النار، فذكرت، قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا تحدثنّ شيئا حتى تأتيني، فأمسكت و رددت سهمي في كنانتي، ثم إني شجّعت نفسي حتى دخلت المعسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر، يقولون: يا آل عامر الرحيل، الرحيل، لا مقام لكم، و إذا الريح في عسكرهم، ما تجاوز عسكرهم شبرا، فو اللّه إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم، و فرستهم، الريح تضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلما انتصف بي الطريق، أو نحو ذلك، إذا أنا بنحو من عشرين فارسا، أو نحو ذلك معتمين، فقالوا: أخبر صاحبك، أن اللّه كفاه القوم، فرجعت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو مشتمل في شملة يصلي، فو اللّه ما عدا أن رجعت راجعني القرّ، و جعلت أقرقف [١٧]، فأومأ إليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)
[١٧] (أقرقف) أرعد من البرد.