الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٤ - يا أهل المحشر اقرؤا صحيفة أعمالي
سيكون عند النفخة الثانية، تحدّثنا هذه الآيات عن شيء من ذلك حيث يقول تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ.
«تعرضون» من مادّة (عرض) بمعنى عرض شيء معيّن، بضاعة أو غيرها.
و ممّا لا شكّ فيه أنّ جميع ما في الوجود- بشرا و غيره- هو بين يدي اللّه سبحانه، سواء في هذه الدنيا أو في عالم الآخرة، إلّا أنّ هذا الأمر يظهر و يتّضح بصورة أشدّ في يوم القيامة، كما في مسألة حاكمية اللّه المطلقة و الدائمة على عالم الوجود، حيث تتّضح في يوم القيامة أكثر من أي وقت آخر.
إنّ جملة: تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ يمكن أن تكون إشارة إلى أنّ الأسرار الخاصّة بالإنسان و ما يحاول إخفاءه يتحوّل في ذلك اليوم إلى حالة من الظهور و الوضوح كما يقول تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [١] في ذلك اليوم لن يقتصر الوضوح و الظهور على أعمال البشر الخفيّة فحسب، بل على صفات و روحيات و أخلاقيات و نيّات الجميع فإنّها هي الاخرى تبرز و تظهر، و هذا أمر عظيم جدّا، بل إنّه أعظم من انفجار الأجرام السماوية و تلاشي الجبال- كما يقول البعض- حيث الفضيحة الكبرى للطالحين، و العزّة و الرفعة للمؤمنين بشكل لا نظير له، يوم يكون الإنسان عريانا ليس من حيث الجسم فقط، بل أعماله و أسراره الخفية تكون على رؤوس الأشهاد، نعم لا يبقى أمر مخفي من وجودنا و كياننا أجمع في ذلك اليوم العظيم.
و يمكن أن يكون المراد هو الإشارة للإحاطة العلمية للّه تعالى بجميع المخلوقات، و لكن التّفسير الأوّل أنسب.
لذا يقول سبحانه بعد ذلك: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [٢].
[١]- الطارق، الآية ٩.
[٢]- «هاؤم» كما يقول أصحاب اللغة هي بمعنى (خذوا) و إذا كان المخاطب جمع مذكر، فيقال: (هاؤم)، و إذا جمعت جمع