الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٦ - حيل الشيطان و المهالك
ثمّ يستعرض القرآن الكريم تشبيها للمنافقين حيث يقول سبحانه: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ [١].
ما المقصود ب «الإنسان» في هذه الآية؟
هل هو مطلق الإنسان الذي يقع تحت تأثير الشيطان، و ينخدع بأحابيله و وعوده الكاذبة، و يسير به في طريق الكفر و الضلال، ثمّ إنّ الشيطان يتركه و يتبرّأ منهم؟.
أو أنّ المقصود به شخص خاصّ أو (إنسان معيّن) كأبي جهل و أتباعه، حيث أنّ ما حصل لهم في غزوة بدر كان نتيجة تفاعلهم مع الوعود الكاذبة للشيطان، و أخيرا ذاقوا و بال أمرهم و طعم المرارة المؤلمة للهزيمة و الانكسار، كما في قوله تعالى: وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ [٢].
أو أنّ المقصود منه هنا هو (برصيصا) عابد بني إسرائيل، حيث انخدع بالشيطان و كفر باللّه، و في اللحظات الحاسمة تبرّأ الشيطان منه و ابتعد عنه، كما سيأتي شرح ذلك إن شاء اللّه ...؟
التّفسير الأوّل هو الأكثر انسجاما مع مفهوم الآية الكريمة، أمّا التّفسيران الثاني و الثالث فنستطيع أن نقول عنهما: إنّهما بيان بعض مصاديق هذا المفهوم الواسع.
[١]- بالرغم من أنّ التعبير ب (كمثل) في هذه الآية و في الآية السابقة متشابهان، فإنّ بعض المفسّرين اعتبر الإثنين دليلا على مجموعة واحدة، إلّا أنّ القرائن تبيّن بوضوح أنّ الأوّل يحكي وضع يهود بني النضير، و الثاني يحكي وضع المنافقين، و على كلّ حال فإنّ هذه العبارة أيضا خبر لمبتدأ محذوف تقديره مثلهم كمثل الشيطان.
[٢]- الأنفال، الآية ٤٨.