الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦ - المسابقة المعنوية الكبرى!!
عالم الخلقة و نظام العلّة و المعلول، و التي هي مصداق العلم الفعلي للّه سبحانه «فتدبّر».
و لنلاحظ الآن ما هي فلسفة تقدير المصائب في اللوح المحفوظ، و من ثمّ بيان هذه الحقيقة في القرآن الكريم؟
الآية اللاحقة تزيح هذا الحجاب عن هذا السرّ المهمّ حيث يقول تعالى:
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ.
هاتان الجملتان القصيرتان تحلّان- في الحقيقة- إحدى المسائل المعقّدة لفلسفة الخلقة، لأنّ الإنسان يواجه دائما مشاكل و صعوبات و حوادث مؤسفة في عالم الوجود، و يسأل دائما نفسه هذا السؤال و هو: رغم أنّ اللّه رحمن رحيم و كريم ..، فلما ذا هذه الحوادث المؤلمة؟! و يجيب سبحانه أنّ هدف ذلك هو: ألا تأسركم مغريات هذه الدنيا و تنشدّوا إليها و تغفلوا عن أمر الآخرة .. كما ورد في الآية أعلاه.
و المطلوب أن تتعاملوا مع هذا المعبر و الجسر الذي اسمه الدنيا بشكل لا تستولي على لباب قلوبكم، و تفقدوا معها شخصيّتكم و كيانكم و تحسبون أنّها خالدة و باقية، حيث إنّ هذا الانشداد هو أكبر عدوّ لسعادتكم الحقيقية، حيث يجعلكم في غفلة عن ذكر اللّه و يمنعكم من مسيرة التكامل.
هذه المصائب هي إنذار للغافلين و سوط على الأرواح التي تعيش الغفلة و السبات، و دلالة على قصر عمر الدنيا و عدم خلودها و بقائها.
و الحقيقة أنّ المظاهر البرّاقة لدار الغرور تبهر الإنسان و تلهيه بسرعة عن ذكر الحقّ سبحانه، و قد يستيقظ فجأة و يرى أنّ الوقت قد فات و قد تخلّف عن الركب.
هذه الحوادث كانت و لا تزال في الحياة، و ستبقى بالرغم من التقدّم العلمي العظيم، و لن يستطيع العلم أن يمنع حدوثها و نتائجها المؤلمة، كالزلازل و الطوفان و السيول و الأمطار و ما إلى ذلك .. و هي درس من قسوة الحياة و صرخة مدوّية