الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٤ - ٢- نموذج من أخلاق الرّسول
برعاية اللّه سبحانه و إمداده، إلّا أنّ ذلك كان اقترانا بعوامل عديدة أيضا، و لعلّ أحد أهمّ هذه العوامل هو: سمو الأخلاق عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جاذبيته الشخصية، إنّ أخلاقيته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كانت من العلو و الصفات الإنسانية السامية لدرجة أنّ ألدّ أعدائه كان يقع تحت تأثيرها كما أنّ مكارم الأخلاق التي أودعت فيه كانت تجذب و تشدّ المحبّين و المريدين إليه بصورة عجيبة.
و إذا ما ذهبنا إلى القول بأنّ السمو الأخلاقي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان معجزة أخلاقية، فإنّنا لا نبالغ في ذلك، كما سنوضّح لذلك نموذجا من هذا الإعجاز الأخلاقي .. ففي فتح مكّة و عند ما استسلم المشركون أمام الإرادة الإسلامية، و رغم كلّ حربهم للإسلام و المسلمين و شخص الرّسول الكريم بالذات، و بعد تماديهم اللئيم و كلّ ممارساتهم الإجرامية ضدّ الدعوة الإلهية .. بعد كلّ هذا الذي فعلوه، فإنّ رسول الإنسانية أصدر أمرا بالعفو العامّ عنهم جميعا، و غضّ الطرف عن جميع الجرائم التي صدرت منهم، و كان هذا مفاجأة للمقرّبين و البعيدين، الأصدقاء و الأعداء، و كان سببا في دخولهم في دين اللّه أفواجا، بمصداق قوله تعالى: وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً.
لقد وردت في كتب التّفسير و التاريخ قصص كثيرة حول حسن خلق الرّسول الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في عفوه و تجاوزه و عطفه و رأفته، و تضحيته و إيثاره و تقواه ... بحيث أنّ ذكرها جميعا يخرجنا عن البحث التّفسيري .. إلّا أنّنا سنكتفي بما يلي:
و
جاء في حديث عن الحسين بن علي عليه السّلام أنّه قال: سألت أبي أمير المؤمنين عن رسول اللّه كيف كان سيرته في جلسائه؟ فقال: كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ، و لا غليظ و لا صخّاب، و لا فحّاش، و لا عيّاب، و لا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، فلا يؤيّس منه و لا يخيب فيه مؤمّليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء و الإكثار و ما لا يعنيه، و ترك الناس من ثلاث كان لا يذمّ أحدا و لا يعيّره، و لا يطلب عثراته و لا عورته و لا يتكلّم إلّا في ما رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق