الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٣ - لو كنّا نسمع أو نعقل
فلما ذا إذن أوقعتم أنفسكم في هذا المصير البائس، و هذا البلاء العظيم و الساعة الرهيبة، إنّ الملائكة (خزنة جهنّم) يستغربون و يكادون أن يصعقوا لما أصابكم و ما أوقعتم به أنفسكم، في مثل هذه الداهية مع الوعي الذي حباكم به اللّه سبحانه و ما تفضّل به عليكم من نعمة الرسل الإلهيين و القادة من الأنبياء و المرسلين .. فكيف اخترتم لأنفسكم مقرّا كهذا؟
قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ، فَكَذَّبْنا وَ قُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ.
و هكذا يأتي الاعتراف: نعم قد جاءنا الرسل إلّا أنّنا كذّبناهم و لم نسمع نداءهم المحيي للنفوس بل خالفناهم و عارضناهم و اعتبرناهم ضالّين، و أخرجناهم من بين صفوفنا، و أبعدناهم عنّا ..
ثمّ يذكر القرآن الدليل الأصلي على شقائهم و تعاستهم و لكن على لسانهم فيقول: وَ قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ، أجل هكذا يأتي اعترافهم بذنوبهم بعد فوات الأوان فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ.
و في هذه الآيات و ضمن بيان المصير المرعب لهؤلاء يشير إلى السبب الحقيقي لذلك، فمن جهة أعطاهم اللّه تعالى الاذن السامعة و العقل، و من جهة اخرى بعث إليهم الرسل و الأنبياء بالدلائل الواضحة فلو اقترن هذان الأمران فالنتيجة هي ضمان سعادة الإنسان، أمّا لو كان للإنسان اذن لا يسمع بها، و عين لا يبصر بها، و عقل لا يفكّر به، فلو جاءه جميع الأنبياء و المرسلين بكافّة معاجزهم و كتبهم، لم ينتفع بشيء. و
قد ورد في الحديث الشريف، أنّ بعض المسلمين ذكروا شخصا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أثنوا عليه، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «كيف عقل الرجل» فقيل: يا رسول اللّه نحن نسأل عن سعيه و عبادته و خيراته و أنت تسأل عن عقله؟! فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، و إنّما يرتفع العباد غدا في الدرجات و ينالون الزلفى من ربّهم على قدر عقولهم!».