دانشنامه اميرالمؤمنين بر پايه قرآن، حديث و تاريخ - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٥٣٨ - ٢/ ١٥ جمع بين اضداد
هَشاشَةً، و أبعَدَهُم عَنِ انقِباضٍ موحِشٍ، أو خُلُقٍ نافِرٍ، أو تَجَهُّمٍ مُباعِدٍ، أو غِلظَةٍ وفَظاظَةٍ تَنفِرُ مَعَهُما نَفسٌ، أو يَتَكَدَّرُ مَعَهُما قَلبٌ. حَتّى عيبَ بِالدُّعابَةِ، ولَمّا لَم يَجِدوا فيهِ مَغمَزا ولا مَطعَنا تَعَلَّقوا بِها، وَاعتَمَدوا فِي التَّنفيرِ عَنهُ عَلَيها «وتِلكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنكَ عارُها». وهذا مِن عَجائِبِهِ وغَرائِبِهِ اللَّطيفَةِ.
ومِنها: أنَّ الغالِبَ عَلى شُرَفاءِ النّاسِ ومَن هُوَ مِن أهلِ بَيتِ السِّيادَةِ وَالرِّياسَةِ أن يَكونَ ذا كِبرٍ وتيهٍ وتَعَظُّمٍ وتَغَطرُسٍ، خُصوصا إذا اضيفَ إلى شَرَفِهِ مِن جَهَةِ النَّسَبِ شَرَفُهُ مِن جِهَاتٍ اخرى، وكانَ أميرُ المُؤمِنينَ ٧ في مُصاصِ[١] الشَّرَفِ ومَعدِنِهِ ومَعانيهِ، لا يَشُكُّ عَدُوٌّ ولا صِدّيقٌ أنَّهُ أشرَفُ خَلقِ اللّهِ نَسَبا بَعدَ ابنِ عَمِّهِ صَلَواتُ اللّهِ عَلَيهِ.
وقَد حَصَلَ لَهُ مِنَ الشَّرَفِ غَيرَ شَرَفِ النَّسَبِ جِهاتٌ كَثيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ، قَد ذَكَرنا بَعضَها، ومَعَ ذلِكَ فَكانَ أشَدَّ النّاسِ تَواضُعا لِصَغيرٍ وكَبيرٍ، و أليَنَهُم عَريكَةً، و أسمَحَهُم خُلُقا، و أبعَدَهُم عَنِ الكِبرِ، و أعرَفَهُم بِحَقٍّ، وكانَت حالُهُ هذِهِ في كِلا زَمانَيهِ: زَمانِ خِلافَتِهِ، وَالزَّمانِ الَّذي قَبلَهُ، لَم تُغَيِّرهُ الإِمرَةُ، ولا أحالَت خُلُقَهُ الرِّياسَةُ، وكَيفَ تُحيلُ الرِّياسَةُ خُلُقَهُ وما زالَ رَئيسا! وكَيفَ تُغَيِّرُ الإِمرَةُ سَجِيَّتَهُ وما بَرِحَ أميرا! لَم يَستَفِد بِالخِلافَةِ شَرَفا، ولَا اكتَسَبَ بِها زينَةً!
بَل هُوَ كَما قالَ أبو عَبدِ اللّهِ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، ذَكَرَ ذلِكَ الشَّيخُ أبُو الفَرَجِ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَلِيِّ بنِ الجوزِيِّ في تاريخِهِ المَعروفِ بِالمُنتَظَمِ: تَذاكَروا عِندَ أحمَدَ خِلافَةَ أبي بَكرٍ وعَلِيٍّ وقالوا فَأَكثَروا، فَرَفَعَ رَأسَهُ إلَيهِم، وقالَ: قَد أكثَرتُم! إنَّ عَلِيّا لَم تَزِنهُ الخِلافَةُ، ولكِنَّهُ زانَها.
وهذَا الكَلامُ دالٌّ بِفَحواهُ ومَفهومِهِ عَلى أنَّ غَيرَهُ ازدانَ بِالخِلافَةِ وتَمَّمَت نَقصَهُ،
[١] المُصاص: خالص كلّ شيء( لسان العرب: ج ٧ ص ٩١« مصص»).