الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨١ - تدبير الإمام عليّ عليه السلام في ظفر المسلمين في الفتوحات
المهاجرين والأنصار في الخروج إلى الشام، فأشار عليه عثمان بعدم الخروج. فقال عمر:
هل عند أحد منكم غير هذا الرأي؟!
فقال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: نعم، عندي من الرأي: إنّ القوم قد سألوك المنزلة التيلهم فيها الذلّ والصَغار، ونزولهم على حكمك عزٌّ لك وفتحٌ للمسلمين ... فإذا قدِمت عليهم كان الأمر والعافية والصلح والفتح إن شاء اللَّه.
و أُخرى فإنّي لست آمن الروم إن هم آيسوا من قبولك الصلح وقدومك عليهم أن يتمسّكوا بحصنهم ويلتئم إليهم إخوانهم من أهل دينهم فتشتدّ شوكتهم ويدخل على المسلمين من ذلك البلاء، ويطول أمرهم وحربهم، ويصيبهم الجهد والجوع، ولعلّ المسلمين إن اقتربوا من الحصن فيرشقونهم بالنشاب أو يقذفونهم بالحجارة، فإن أُصيب بعض المسلمين تمنّيت أن تكون قد افتديت قتل رجل مسلم من المسلمين بكلّ مشرك إلى منقطع التراب. فهذا ما عندي، والسلام.
فقال عمر: أمّا أنت يا أبا عمرو- أي عثمان- فقد أحسنت النظر في مكيدة العدو، وأمّا أنت يا أبا الحسن! فقد أحسنت النظر لأهل الإسلام، وأنا سائر إلى الشام [١].
وعند فتح المسلمين لمدينة السوس- بلدة بخوزستان [٢] جنوب إيران- وجدوا جثمان النبيّ دانيال ولم يكونوا يعرفوه ورأوا أهل السوس يتبرّكون ويستسقون به، وجسده لم يبلى، فكتب أبو موسى إلى عمر بذلك، فسأل عمر أكابر الصحابة عن ذلك فلم يجد عندهم فيه خبراً، وأنّى لهم بالخبر؟! وهل يوجد الخبر إلّاعند مَن عنده ودائع النبوّة، وهو السبب المتّصل بين الأرض والسماء، ومَن عنده علم الكتاب؟!
فقال أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: «بلى هذا دانيال الحكيم، وهو نبيّ غير مرسل، غير أنّه في قديم الزمان مع بختنصر ومَن كان بعده من الملوك ... قال: و جعل عليّ يحدّث عمر بقصّة دانيال من أوّلها إلى آخرها إلى وقت وفاته، ثمّ قال عليّ: اكتب إلى
[١] . كتاب الفتوح ١/ ٢٤٤.
[٢] . هي مدينة «الشوش» حالياً.
٣٥٣٧١ الصحابة بين العدالة و العصمة، ص: ٣٨٢
صاحبك أن يصلّي عليه ويدفنه في موضع لا يقدر أهل السوس على قبره، قال: فكتب عمر بن الخطّاب إلى أبي موسى الأشعري بذلك [١]».
دوره عليه السلام في معركة نهاوند
و ذكر أهل التواريخ- والنصّ لابن أعثم-: «إنّ المسلمين لمّا فتحوا خوزستان تحرّكت الفرس بأرض نهاوند، وكتب بعضهم إلى بعض أن يكون اجتماعهم بها، فاجتمعوا من مدن شتّى فكانوا خمسون ألفاً ومائة ألفاً مع نيف وسبعين فيلًا تهويلًا على خيول المسلمين، وقالوا: إنّ ملك العرب الذي جاءهم بهذا الكتاب وأقام لهم هذا الدين قد هلك- يعنون بذلك رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم- ... فتعالوا بنا حتّى ننفي مَن بقربنا من جيوش العرب، ثمّ إنّا نسير إليهم في ديارهم فنستأصلهم عن جديد الأرض ...
فبلغ الخبر المسلمين فكتبوا بذلك إلى عمر، وأنّ الفرس قد قصدوهم ثمّ يأتون بعدها إلى المدينة، وهم جمع عتيد، وبأس شديد، ودوابّ فره، وسلاح شاك، وقد هالهم ذلك وما أتاهم من أمرهم وخبرهم.
قال- الراوي الذي يروي عنه ابن أعثم-: فلمّا ورد الكتاب على عمر بن الخطّاب وقرأه وفهم ما فيه وقعت عليه الرعدة والنفضة حتّى سمع المسلمون أطيط أضراسه، ثمّ قام عن موضعه حتّى دخل المسجد وجعل ينادي: أين المهاجرون والأنصار؟ ألا فاجتمعوا رحمكم اللَّه، وأعينوني أعانكم اللَّه.
قال: فأقبل إليه الناس من كلّ جانب حتّى إذا علم أنّ الناس قد اجتمعوا وتكاملوا في المسجد وثب إلى منبر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم فاستوى عليه قائماً وإنّه ليرعد من شدّة غضبه على الفرس، فحمد اللَّه عزّ وجلّ وأثنى عليه، و صلّى على نبيّه محمّد صلى الله عليه و آله و سلم، ثمّ قال: أيّها الناس! هذا يوم غمّ وحزن، فاستمعوا ما ورد إليّ منالعراق- ثمّ قرأ عليهم ما
[١] . كتاب الفتوح ٢/ ٢٧٤.