الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٥٢ - * الثانية المظاهرة بالمكيدة
وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ» [١]. و قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» [٢]، الذي نزل في غدير خمّ.
نعم، كون الخبر وصول أبويهما إلى سدّة الحكم هو ظاهر اتّفاق روايات الفريقين- كما ستأتي بقيّتها- لكن هل أنّه بشارة وعهد أم أنّه نذارة وتغلّب ونزاع مع الحقّ وأهله؟! فهذا ما اختلفت فيه الروايات، و سياق السورة صدراً وذيلًا يتنافى مع الأوّل و يتوافق مع الثاني؛ و هو ما سيتبين من مواصلة البحث في بقية فقرات السورة.
روى في الدرّ المنثور، عن الطبراني في الأوسط، وابن مردويه:
«فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ»: يعنى عائشة، «وَ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ»: أي بالقرآن، «عَرَّفَ بَعْضَهُ»: عرّف حفصة ما أظهر من أمر مارية، «وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ»: عمّا أخبرت به من أمر أبيبكر و عمر، فلم يبده، «فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ» إلى قوله:
«الْخَبِيرُ»، ثمّ أقبل عليهما يعاتبهما فقال: «إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ». الحديث [٣].
و في هذا الحديث إلفاتة حسّاسة، هي: إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لم ينبئ حفصة أو عائشة عمّا فعلتاه من إفشاء الخبر المرتبط بأمر أبي بكر وعمر وما اتّصل من أُمور أُخرى بذلك الأمر، ممّا عدّه القرآن الكريم تظاهر وتواطؤ على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ودين اللَّه تعالى، و ممّا له صلة أمنية خطيرة بالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم؛ الذي استدعى هذا النفير والتعبئة الإلهية الشاملة.
فهذه قصاصة وثائقية بالغة المؤدّى تقتضي أنّ التدبير الخفي الذي قامتا به هو ممّا يتّصل بأمر أبيبكر و عمر من بعده صلى الله عليه و آله و سلم. و الغريب ما في جملة من تفاسير أهل سُنّة الجماعة ورواياتهم من تصوير هذه التظاهرة التي قامتا بها على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّها شأن دارج في الحياة الزوجية، واستدعى كلّ هذا الصخب والاهتمام منه تعالى والإنذار الشديد
[١] . المائدة/ ٥٥- ٥٦.
[٢] . المائدة/ ٦٧.
[٣] . الدرّ المنثور ٦/ ٢٤٠- ٢٤١.