الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٤٢ - بين عصمة النبي (ص) وعدالة الصحابة
ولا كذلك ما يحكم به عن اجتهاده؛ فإنّه لا يقول فيه عن وحي ولا بطريق التبليغ، بل حكمه فيه حكم غيره من المجتهدين، فتطرُّق الخطأ إليه في ذلك لا يوجب الإخلال بمعنى البعثة والرسالة [١].
قبل التعرّض لتفاصيل ردود ما تشبّثوا به من التمحّلات ينبغي الإلفات إلى ما دعاهم إلى ذلك، وأنّ تماديهم في توجيه الردّ على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أدّى بهم إلى الالتزام بمناكير وعظائم.
فإنّ عمدة ما دعاهم إلى ذلك هو: توجيه عصيان عمر للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومخالفات أبي بكر وبقية أعضاء السقيفة لأوامر ونواهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ولم يقف الحدّ بهم إلى التوجيه، بل إلى إنكار التأسّي بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأُمور والشؤون بذريعة أنّه يجتهد!
وتداعى بهم ذلك الإنكار إلى إنكار حاكمية الباري تعالى في التشريع، وأنّه ليس لله تعالى حكم في الوقائع التي يجتهد فيها المجتهدون، أو أنّ حكمه تعالى ينطبق على كلّ اجتهاد المجتهدين بتعدادهم، وأنّ أحكامه تعالى ليست تدور مدار الكمالات والنقائص في الأفعال والأشياء؛ لأنّ القول ب-: عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) واللوح المحفوظ لأحكام الشريعة، الذي لا يوصل إليه إلّا عبر الوحي والنصّ النبوي، سوف يحرج مذهب الاجتهاد بالرأي والتأوّل بالهوى، ويعزّز مذهب النصّ والاتّباع للوحي.
بل إنّ ذلك أوصلهم إلى أنّ إجماع الأُمّة- الذي قد يكون ناشئاً من اجتهاد الحاكم- معصوماً من الخطأ، مقدّماً على حكم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)- حسب زعمهم- وهذه قاعدة معرفية مطردة؛ فإنّ التقصير في المعرفة يلازم الغلوّ في الجانب المقابل، والتفريط من جانب يلازم الإفراط في الطرف المقابل.
قال الآمدي معترضاً على نفسه في ما ذهب إليه أهل سُنّة الخلافة: ( (إنّ الأُمّة إذا أجمعت على حكم مجتهد فيه، كان إجماعهم معصوماً عن الخطأ، كما سبق بيانه، ولو جاز على النبيّ الخطأ في اجتهاده، لكانت الأُمّة أعلى رتبة منه؛ وذلك محال)).
[١] الإحكام في أُصول الأحكام- للآمدي- ٤/ ٤٤٠- ٤٤٢.