الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٧١ - سبب الردّة وحقيقتها
لبيد ولم يقل شيئاً، ثمّ قام إلى الأشعث بن قيس ابن عمّ له يقال له: امرؤ القيس بن عابس من كندة، فقال له: ياأشعث! انشدك باللَّه وبإيمانك وبقدومك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم إن نكصت أو رجعت عن دين الإسلام، فإنّك إن تقدّمت تقدّم الناس معك، وإنّ هذا الأمر لابُدّ له من قائم يقوم به فيقتل مَن خالف عليه، فاتّق اللَّه في نفسك؛ فقد علمت ما نزل بمَن خالف أبا بكر ومنعه الزكاة» [١].
و يظهر من هذا النصّ التاريخي أنّ أصحاب السقيفة قد حكموا بالكفر والردّة على مجرّد مخالفة تنصيب أبا بكر وعدم تمكينه من الزكاة، وهذا التكفير والحكم بالردّة هو بنفسه وبدوره سبباً لتطوّر مخالفة خلافة أبي بكر إلى التشكيك في الدين والرجوع حقيقه عنه.
ومن تناقضات أصحاب السقيفة وتلاعبهم في الدين، أنّهم كفّروا مخالفي استخلاف أبي بكر ومانعيه من التسلّط على رقاب المسلمين وعلى الأموال العامّة- كالزكاة- وحكموا بإسلام عائشة وطلحة والزبير وأصحاب الجمل، الّذين نكثوا بيعة عليّ عليه السلام و قاموا بمحاربته، وقالوا: بأنّهم تأوّلوا واجتهدوا وأخطؤوا.
و كذلك حكموا بإسلام معاوية وأهل الشام القاسطين في محاربتهم أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وقالوا: بأنّهم اجتهدوا وتأوّلوا وأخطؤوا. وكذلك حكموا بإسلام خالد بن الوليد مع استحلاله لقتل مالك بن نويرة وقومه- كما سيأتي بيانه- مع بقاء مالك وقومه على إسلامهم وإيمانهم، واستباحة خالد التزويج بزوجة مالك. فلماذا لا يُحكم بكفر وردّة أبي بكر وأصحاب السقيفة، الّذين أنكروا النصّ على خلافة عليّ عليه السلام، وخالفوا عهد اللَّه ورسوله في الوصية؟!
حكى ابن أبي الحديد عن السيّد المرتضى في الشافي قول الجاحظ: «وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريباً وللخصومة معتاداً أن يظهر كلام المظلوم وذلّة
[١] . كتاب الفتوح ١/ ٤٥.
٣٥٣٧١ الصحابة بين العدالة و العصمة، ص: ٣٧٢
المنتصف، وحدب الوامق ومِقة المحقّ» [١].
و قال ابن أعثم: «ثمّ تكلّم الأشعث بن قيس فقال: يا معشر كندة! إن كنتم على ما أرى فلتكن كلمتكم واحدة، والزموا بلادكم وحوّطوا حريمكم وامنعوا زكاة أموالكم؛ فإنّي أعلم أنّ العرب لا تقرّ بطاعة بني تميم بن مرّة وتدع سادات البطحاء من بني هاشم إلى غيره، فإنّها لنا أجود، ونحن لها أجرى وأصلح من غيرنا؛ لأنّا ملوك من قبل أن يكون على وجه الأرض قريشي ولا أبطحي» [٢].
و يرى الباحث صدق ما أخبر به أبو ذرّ وبقية المهاجرين والأنصار الاثني عشر من تسبّب خيانة أبي بكر وأصحاب السقيفة، وضعة مكانة أبي بكر في تمرّد القبائل وطمعها في الخلافة، واسترابتها في الدين.
ثمّ قال ابن أعثم: «جاء لزياد بن لبيد الأنصاري العامل على كندة رجل يقال له:
الحارث بن معاوية، فقال لزياد: إنّك لتدعو إلى طاعة رجل لم يُعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد. فقال له زياد بن لبيد: يا هذا! صدقت، فإنّه لم يُعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد، ولكنّا اخترناه لهذا الأمر.
فقال له الحارث: أخبرني لمَ نحّيتم عنها أهل بيته وهم أحقّ الناس بها؛ لأنّ اللَّه عزّوجلّ يقول: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» [٣]؟!
فقال له زياد بن لبيد: إنّ المهاجرين والأنصار أنظر لأنفسهم منك. فقال له الحارث بن معاوية: لا واللَّه، ما أزلتموها عن أهلها إلّاحسداً منكم لهم، وما يستقرّ في قلبي أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علماً يتّبعونه، فارحل عنّا أيّها الرجل؛ فإنّك تدعو إلى غير الرضا. ثمّ أنشأ الحارث بن معاوية يقول:
كان الرسول هو المطاع فقد مضى
صلّى عليه اللَّه لم يستخلف
[١] . شرح نهج البلاغة ١٦/ ٢٦٤.
[٢] . كتاب الفتوح ١/ ٤٧.
[٣] . الأنفال/ ٧٥.