الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦٤ - ١٠- محطّة الفتوحات
لاغتياله، ثمّ لم يتمّ لهم ذلك، فكرّروا المحاولة مرّة أُخرى، ولمّا لم يُفلحوا تعاقدوا في صحيفة كتبوها على إزواء الأمر بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم عن أهل بيته وعن أميرالمؤمنين عليه السلام، واستودعوها أحدهم، وجعلوه «الأمين» عليها، وشهدها جماعة آخرون، وكاتبها هو سعيد بن العاص الأُموي.
و كان المتعاقدون: أصحاب العقبة (الجماعة الّذين أرادوا تنفير ناقة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم واغتياله) وهم أربعة عشر رجلًا، وعشرون رجلًا آخر، فكان مجموعهم أربعة وثلاثين رجلًا. و كانوا هؤلاء رؤساء القبائل وأشرافها، وما من رجل من هؤلاء إلّاومعه خلق عظيم من الناس يسمعون له ويطيعون، وقد اتّفق هواهم على عدم وصول الإمارة لعليّ عليه السلام، ولا تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم، فاتّفقت كلمتهم على تقاسم القدرة بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم وتولية أبو بكر الخلافة كواجهة، وتوزيع المناصب الأُخرى في ما بينهم [١].
[١] . قد ذكرت مصادر عديدة مقاطع متعدّدة من هذه الأحداث، وأوردت أسماء الجماعة المتعاقدة بالتفصيل، منها: إرشاد القلوب- للديلمي- ٢/ ١١٢- ١٣٥، المسترشد- لابن جرير الإمامي-، كشف اليقين- للعلّامة الحلّي-: ١٣٧؛ نقلًا عن حجّة التفضيل- لابنالأثير- بسنده عن ربيعة السعدي، عن حذيفة. وكتاب اليقين، وكتاب الإقبال- لابنطاووس-: ٤٥٤- ٤٥٩ عن كتاب النشر والطي.
وقد روى ابن أبي الحديد، عن أُبيّ بن كعب: «ما زالت هذه الأُمّة مكبوبة على وجهها منذ فقدنبيّهم».
وفي المصدر نفسه عن أُبيّ أيضاً: «ألا هلك أهل العقدة، واللَّه ما آسى عليهم، إنّما آسى علىمَن يُضلّون من الناس»؛ وأهل العقدة: أي أصحاب الصحيفة الّذين تعاقدوا. شرح نهجالبلاغة ٤/ ٤٥٤ وص ٤٥٩.
وروى ذلك ابن سعد في طبقاته ٣/ ٦١ ق ٣، عن جندب بن عبد اللَّه البجلي، وذكر قصّةمقالة أُبيّ بن كعب، وفي ذيلها قوله: «اللّهمّ إنّي أُعاهدك لئن أبقيتني إلى يوم الجمعة لأتكلّمنّ بماسمعت من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، لا أخاف فيه لومة لائم».
وفي موضع آخر- الطبقات ٣/ ٦١ ق ٢-: «لأقولنّ قولًا لا أُبالي استحييتموني عليه أوقتلتموني» ..
قال الراوي: «لمّا قال ذلك وانصرفت عنه وجعلت انتظر الجمعة، فلمّا كان يوم الخميسخرجت لبعض حاجتي فإذا السكك غاصّة من الناس لا أجد سكّة إلّايلقاني الناس، قال: قلت: ما شأن الناس؟! قالوا: مات سيّد المسلمين أُبي بن كعب».
وروى ذلك الحاكم في مستدركه ٢/ ٢٢٦- ٢٢٧ وج ٣/ ٣٠٤، وفي سُنن النسائي في كتابالإمامة ٢/ ٨٨ رقم ٧٧٩٢٣، وفي مشكاة المصابيح: ٩٩، بسنده عن قيس بن عبادة، وفيه: «ثمّ استقبل القبلة فقال: هلك أهل العقدة وربّ الكعبة- ثلاثاً- ثمّ قال: «واللَّه ماآسى عليهم ولكن على من أضلّوا».
وفي النهاية- لابن الأثير-: «ومنه حديث أُبيّ: هلك أهل العقدة وربّ الكعبة. يعني: بيعةالولاة»، والولاة لا بيعة لهم وإنّما هي للخلفاء وقال بعضهم: إنّ موت أُبيّ بن كعب يومالخميس، قبل يوم الجمعة الموعود، لعلّه خنقته الجنّ، كما قُتل سعد بن عبادة بسهمالجنّ!!!
ورواه عنه مثله في حلية الأولياء ١/ ٢٥٢. ورواه أحمد في مسنده (مسند الأنصار ٢٠٣١٠)؛ وفيه: «ثمّ حدَّث فما رأيت الرجال متحت- ذللت- أعناقها إلى شيء متوجّهاًإليه. قال: فسمعته يقول: هلك أهل العقدة وربّ الكعبة، ألالاعليهم آسى ولكن آسىعلى مَن يُهلكون من المسلمين».
وروى حادثة الاغتيال في العقبة السيوطي في الدرّ المنثور ٣/ ٢٥٩- ٢٦٠، وعبّر عنهمبأنّهم: «ناس من أصحابه»، وروى السيوطي في ذيله: أنّ حذيفة قال: «يا رسول اللَّه! فنضربأعناقهم؟! قال: أكره أن يتحدّث الناس ويقولوا: إنّ محمّداً وضع يده في أصحابه». ومثله في دلائل النبوّة- للبيهقي- ٥/ ٢٥٦- ٢٦٧.
وذكر ابن عبد البرّ في الاستيعاب- في ذيل الإصابة- ٢/ ٣٧٢، في ترجمة أبيموسىالأشعري: «أنّ حذيفة قال فيه كلام كرهت أن أذكره»، ولكنّ ابن أبيالحديد فيشرح نهج البلاغة ١٣/ ٣١٤- ٣١٥ قال: «أنّه كان من أصحاب العقبة»، كما عن حذيفة وعمّار. ولاحظ: كنز العمّال ١٤/ ٨٦.
وروى ذلك عن حذيفة- أنّ أبا موسى الأشعري من المنافقين، أي الّذين اختصّ حذيفةبمعرفتهم، وهم أصحاب العقبة- الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/ ٩٣ وج ٣/ ٨٢، وابنعساكر في تاريخ دمشق ٣٢/ ٩٣، والمزّي في تهذيب الكمال ٤/ ٢٤٤؛ وروى الصدوقأسمائهم في الخصال ٦/ ٤٩٩.
وفي شرح نهج البلاغة- لابن أبي الحديد- ٢/ ١٠٣: «أنّهم كانوا اثني عشر رجلًا، منهم: أبوسفيان».
وفي المحلّى- لابن حزم- ١١/ ٢٢٥: «أنّه روي عن حذيفة: إنّ أبا بكر وعمر وعثمان وطلحةوسعد بن أبي وقّاص من أصحاب العقبة».
وروي: «إنّ عمر سأل حذيفة: يا حذيفة! أُنشدك اللَّه أمن القوم أنا؟! قلت: اللّهمّ لا، ولن أُبرّئأحداً بعدك.
قال: فرأيت عيني عمر جاءتا- أي: هلع ذعراً-» ..
رواه ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٢٥٣، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/ ٣٦٢- ٣٦٣، وابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب ٦/ ٢١٧٦.
وروى ابن عساكر، قال: «دخل عبد الرحمن على أُمّ سلمة، فقالت: سمعت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يقول: إنّ من أصحابي لمن لا يراني بعد أن أموت أبداً.
فخرج عبد الرحمن من عندها مذعوراً حتّى دخل على عمر، فقال له: اسمع ماتقول أُمّك. فقام عمر حتّى دخل عليها فسألها، ثمّ قال: فأنشدك اللَّه أمنهم أنا؟!
قالت: لا ولن أُبرّئ بعدك أحداً». مختصر تاريخ دمشق ١٩/ ٣٣٤.
والذعر الذي أصابهما من قول أُمّ سلمة خوف أن ينتشر ذلك بين المسلمين.