الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٤٢ - حذيفة و أمير المؤمنين عليّ عليه السلام أعلم الناس بالمنافقين
التفت إليّ فرآني وأنا جالس فعرف، فرجع إليّ فقال: ياحذيفة! أنشدك اللَّه أمن القوم أنا؟ قال: قلت: اللّهمّ لا، ولن أُبرّئ أحداً بعدك، قال: فرأيت عيني عمر جاءتا» [١].
و روى هذه الرواية ابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب بسنده [٢]. و جواب حذيفة في هذه الرواية يتضمّن التعريض الشديد، كما هو طافح من ألفاظه؛ إذ ما معنى:
«ولن أُبرّئ أحداً بعدك»؟! فإنّ أيّ فرد من الناس إذا لم يكن من المنافقة أصحاب العقبة فلا معنى لامتناع حذيفة من الجواب، و التعبير ب: «لن أُبرّئ أحداً بعدك» يعطي: لن أُبرئ أحداً من الجماعة الخاصّة التي هي أصحاب العقبة؛ فالتعبير «أُبرّئ» أي: أُثبت له البرائة مع كونه متورّطاً في عملية الاغتيال المدبّر في العقبة؛ ولذلك قال بعد ذلك: «فرأيت عيني عمر جاءتا» أي: وقع في دهشة وهلع شديد، وذلك لكون جواب حذيفة صريح بالتخلّص الذكي؛ وهو لا يعني تبرئة صافية عن شوب التعريض بالنفي.
مضافاً إلى أنّ الرجل الميت الذي كنّى عنه حذيفة ب: «فلان» لابُدّ أن يكون من رجالات الدولة البارزين؛ حتّى سبّب حصول التساؤل لدى عمر عن حاله عند حذيفة، و عن مدى معرفة حذيفة بجميع أصحاب العقبة، وإلّا فكيف لا يعرف- و «الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» [٣]- أنّه كان منهم أم لم يكن؟!! فلابُدّ وأن يكون مصبّ السؤال هو عن مدى معرفة حذيفة بتمام المجموعة.
ومثل هذا التساؤل قد يوحي ويقضي بتورّط السائل؛ لأنّ البريء لا يحصل لديه الشكّ في كونه من مجموعة العقبة. و السبب في الشكّ بمعرفة حذيفة بالمجموعة هو أنّ وقت تنفيذ العملية في العقبة كان ليلًا مظلماً، وكانت الجماعة ملثّمة، وعندما تصدّى لهم حذيفة وعمّار ورجعوا واختفوا في الناس ظنّوا وحسبوا أنّ حذيفة وعمّار لم يعرفوهم،
[١] . تاريخ مدينة دمشق ١٢/ ٢٧٦.
[٢] . بغية الطلب في تاريخ حلب ٥/ ٢١٦٧.
[٣] . القيامة/ ١٤.