دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٩٦ - الكلام في الموضع الثاني
فجميع ذلك ممّا لا يحصل الظن بأنها لو كانت لو صلت إلينا، مع إمكان أن يقال: إنّه لو حصل الظن لم يكن على اعتباره دليل خاص، نعم، الظن الحاصل في مقابل احتمال الغفلة الحاصلة للمخاطب أو المتكلّم ممّا أطبق عليه العقلاء في جميع أقوالهم و أفعالهم. هذا غاية ما يمكن من التوجيه لهذا التفصيل.
و لكن الانصاف أنه لا فرق في العمل بالظهور اللفظي و أصالة عدم الصارف عن الظاهر بين من قصد إفهامه و من لم يقصد، فإن جميع ما دلّ من إجماع العلماء و أهل اللسان على حجّية الظاهر بالنسبة إلى من قصد إفهامه جار في من لم يقصد، لأن أهل اللسان إذا نظروا إلى كلام صادر من متكلّم إلى مخاطب يحكمون بإرادة ظاهره منه إذا لم يجدوا قرينة صارفة بعد الفحص في مظانّ وجودها، و لا يفرّقون في استخراج مرادات المتكلمين بين كونهم مقصودين بالخطاب و عدمه.
فإذا وقع المكتوب الموجّه من شخص إلى شخص بيد ثالث، فلا يتأمّل في استخراج مرادات المتكلّم من الخطاب المتوجّه إلى المكتوب إليه، فإذا فرضنا اشتراك هذا الثالث مع المكتوب إليه فيما أراد المولى منهم، فلا يجوز له الاعتذار في ترك الامتثال بعدم الاطّلاع على مراد المولى، و هذا واضح لمن راجع الأمثلة العرفية. هذا حال أهل اللسان في الكلمات الواردة إليهم.
و أمّا العلماء فلا خلاف بينهم في الرجوع إلى أصالة الحقيقة في الألفاظ المجرّدة عن
إلينا كما صدرت عنهم :، بل وصلت إلينا مقطّعة، فنحتمل وجود قرينة على خلاف ما نفهمه من الكلام، و قد اختفت علينا بسبب التقطيع، فلا ينعقد للكلام ظهور مع هذا الاحتمال، هذا ملخّص وجه المنع من حيث الصغرى.
و الجواب عنه نقول: إن هذا المنع يكون تامّا و صحيحا فيما إذا كان المقطّع غير عارف باسلوب الكلام العربي، أو غير ورع في الدين، إذ يحتمل- حينئذ- كون التقطيع موجبا لانفصال القرينة عن ذيها لعدم معرفة المقطّع أو لتسامحه في التقطيع، و لكن كلا الاحتمالين منتف في المقام لكون المقطّع من المجتهدين البارعين في العلم و التقوى.
(و لكن الانصاف أنّه لا فرق في العمل بالظهور اللفظي و أصالة عدم الصارف) و قد تقدّم ردّ هذا التفصيل إجمالا.