دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٣٤ - الأمر الأول إنّ الأدلّة التي أقيمت على حجّية خبر العادل لا تدلّ إلّا على حجّية الإخبار عن حسّ
عليه، مع أنّ شهادته مردودة إجماعا.
قلت: ليس المراد ممّا ذكرنا عدم قابليّة العدالة و الفسق لإناطة الحكم بهما وجودا و عدما، تعبّدا، كما في الشهادة و الفتوى و نحوهما.
بل المراد أنّ الآية المذكورة لا تدلّ إلّا على مانعيّة الفسق من حيث قيام احتمال تعمّد الكذب معه، فيكون مفهومها عدم المانع في العادل من هذه الجهة، فلا يدلّ على وجوب قبول خبر العادل إذا لم يمكن نفي خطئه بأصالة عدم الخطأ المختصّة بالأخبار الحسّية، فالآية لا تدلّ- أيضا- على اشتراط العدالة و مانعيّة الفسق في صورة العلم بعدم تعمّد الكذب، بل لا بدّ له من دليل آخر، فتأمّل.
جهة عدم احتمال الكذب فيه، لزم أن يكون مناط الحجّية في الخبر هو انتفاء احتمال الكذب فقط، لا كون المخبر عادلا، فعلى هذا تقبل شهادة الفاسق لو علمنا بعدم كذبه فيها، لأنّ احتمال الكذب منتف بالفرض، و احتمال الغفلة و الخطأ منتف بالأصل (مع أنّ شهادته مردودة اجماعا) فنعلم من عدم قبول شهادته مطلقا أنّ مناط الحجّية ليس هو انتفاء احتمال الكذب في خبر العادل، و احتماله في خبر الفاسق، بل المناط هو نفس العدالة و الفسق، يعني: العدالة هي مناط الحجّية، و الفسق مناط عدم الحجّية، فالحكم بالحجّية يدور مدار العدالة، و هي موجودة في الإجماع المنقول، فيكون حجّة لوجود المناط فيه.
(قلت: ليس المراد ممّا ذكرنا ... إلى آخره)، أي: ليس المراد ممّا ذكرنا من كون العدالة طريقا إلى انتفاء احتمال الكذب و الفسق طريقا إلى احتمال الكذب، فلذا تدل الآية على حجّية الأول دون الثاني، إنّ العدالة ليست قابلة لأن تكون مناطا للحكم بالحجّية، و إنّ الفسق ليس قابلا لأن يكون مناطا للحكم بعدم الحجّية، بل يمكن أن يكون الحكم منوطا بهما، فيكونان مناطين للحكم على نحو الصفتية و الموضوعية، كما في الشهادة و الفتوى و غيرهما من الموارد التي قام الدليل التعبّدي على كون المناط هو وصف العدالة، فلا يقبل خبر الفاسق و إن علم صدقه من الخارج.
فالحاصل أنّ مناط الحكم يمكن أن يكون انتفاء احتمال الكذب و عدمه، و يمكن أن يكون نفس وصفي العدالة و الفسق إلّا أنّ الآية تدل على الحكم بالحجّية من الجهة الاولى، و ساكتة عن الحكم من سائر الجهات و منها اشتراط العدالة و مانعيّة الفسق.