دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٧ - مقدمة
و هذا بخلاف القطع لأنّه إذا قطع بوجوب شيء فيقال: هذا واجب، و كلّ واجب يحرم
مستلزم للخلف.
و من هنا يعلم الفرق بين الظن بالموضوع، كالظن بالخمرية، و بين القطع به حيث يقع الظن وسطا دونه، و ذلك لتصور الحكم الظاهري في مورد الظن، فيصح أن يجعل وسطا لإثبات الحكم الظاهري، و هذا بخلاف القطع حيث لا يقع وسطا لإثبات الحكم مطلقا لا الواقعي و لا الظاهري.
أمّا عدم وقوعه وسطا للحكم الواقعي فظاهر لأنّ المفروض أنّ القطع طريقي محض من دون أن يكون قيدا للموضوع، و معنى كونه وسطا للحكم الواقعي أنّه قد أخذ في الموضوع، و هذا مخالف للمفروض.
و أمّا عدم وقوعه وسطا لإثبات الحكم الظاهري فهو لعدم تصوّر الحكم الظاهري في مورد القطع، لأنّ موضوعه هو الشك المنتفي، فينتفي الحكم الظاهري، لأنّ الحكم ينتفي بانتفاء موضوعه.
فالحاصل أنّ الظن يصح أن يكون وسطا لإثبات الحكم الظاهري فيقال: هذا مظنون الخمرية، و كل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه، و لا يصح أن يقال: هذا معلوم الخمرية، و كل معلوم الخمرية يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه، و ذلك لكذب الكبرى، لأنّ الحكم بوجوب الاجتناب يكون ثابتا في الواقع للخمر نفسه، لا للخمر المعلوم، فلا يصح أن يجعل القطع وسطا.
فتحصّل ممّا ذكرنا أمران:
الأمر الأول: عدم إطلاق الحجّة بما هو عند الاصولي أو المنطقي على القطع. نعم، يطلق عليه الحجّة بالمعنى اللغوي، و هو صحّة الاحتجاج به، اذ أن العقل يحكم بصحة احتجاج المولى على العبد إذا خالف القطع، كما يحكم بصحّة احتجاج العبد على المولى إذا عمل به، فحكم العقل بوجوب متابعة القطع يصحّح الاحتجاج.
الأمر الثاني: هو الفرق بين الحجّة بما هو عند المنطقي، و ما هو عند الاصولي، حيث يكون الثاني أعمّ من الأول لاعتبار وجود العلاقة بين الأوسط و الأكبر عند المنطقي فقط، كما تقدم، و بالجملة لا يصحّ أن يجعل القطع وسطا.