دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٧٩ - الثاني هل القطع الحاصل من المقدّمات العقلية حجّة
لكن هذا لا يتأتّى في العقل البديهيّ من قبيل: الواحد نصف الاثنين، و لا في الفطريّ الخالي عن شوائب الأوهام، فلا بدّ في مواردهما من التزام عدم حصول القطع من النقل على خلافه، لأنّ الأدلّة القطعيّة النظريّة في النقليّات مضبوطة محصورة، ليس فيها شيء يصادم العقل البديهيّ أو الفطريّ.
فإن قلت: لعلّ نظر هؤلاء في ذلك إلى ما يستفاد من الأخبار، مثل قولهم :: (حرام
المعلول عن العلّة، و اختلف الحكماء و أهل الشرائع في حدوث العالم زمانا و لا خلاف بينهم في حدوث العالم ذاتا.
و المراد من الحادث الزماني: أن الحادث يكون مسبوقا بالعدم في زمان ما.
ثم المراد من القديم الزماني: ما لم يكن وجوده مسبوقا بالعدم في زمان ما.
و المراد من الحادث الذاتي: هو أن الحادث يكون مسبوقا بالعدم، أو بالغير من دون تقييد بالزمان.
ثم المراد من القديم الذاتي: ما لم يكن وجوده مسبوقا بالعدم، أو بالغير بل يقتضي بذاته الوجود.
فالحدوث الذاتي أعمّ من الزماني، فكل ما يكون حادثا زمانا يكون حادثا ذاتا و بعض ما يكون حادثا ذاتا لا يكون حادثا زمانا، و القديم بالعكس، فيكون القديم الزماني أعمّ من الذاتي كما هو واضح.
و قام الإجماع من الشرائع على كون العالم حادثا زمانا، يعني: كان اللّه و لم يكن معه شيء، فلا يصغى إلى ما ذهب إليه الحكماء من القول بحدوث العالم ذاتا و ما استدلوا به ليس الّا شبهة في مقابل البداهة، فهو صورة برهان و في الحقيقة ليس ببرهان لكذب الكبرى فيما ذكروه من: كل أثر للقديم قديم، لأنّا كلّنا أثر للقديم، و لسنا بقدماء بالوجدان و الضرورة، فما ذكروه برهان صورة و شبهة حقيقة.
(لكن هذا) أي: التعارض إنّما يحصل في غير الفطري، و البديهي كما تقدّم (لا يتأتّى) في البديهي، و الفطري، إذ لا يحصل القطع على الخلاف من الدليل النقلي، بل لا يتأتّى في مطلق العقل القطعي، إذ يمتنع حصول القطع بالمتنافيين كما تقدّم ذكره.
(فإن قلت: لعل نظر هؤلاء في ذلك إلى ما يستفاد من الأخبار).