دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٧٧ - المقام الأول يبحث فيه عن إمكان التعبّد بالظن عقلا
و هذا الوجه- كما ترى- جار في مطلق الظن، بل في مطلق الأمارة غير العلمية و إن لم يفد الظن.
و استدل المشهور على الإمكان: بأنّا نقطع بأنه لا يلزم من التعبّد به محال.
و في هذا التقرير نظر، إذ القطع بعدم لزوم المحال في الواقع موقوف على إحاطة العقل بجميع الجهات المحسّنة و المقبّحة و علمه بانتفائها، و هو غير حاصل فيما نحن فيه.
(و هذا الوجه- كما ترى- جار في مطلق الظن، بل في مطلق الأمارة غير العلمية).
أي: أن هذا الوجه الثاني يجري في مطلق الظن من أيّ سبب نشأ الظن، إذ تحليل الحرام و بالعكس بالمعنى المذكور لا يختص بالخبر، بل يجري في مطلق الأمارة غير العلمية، سواء كان مفيدا للظن الشخصي أو الظن النوعي أم لم يكن مفيدا له، ثم يذكر المصنّف ; استدلال المشهور على الجواز قبل الجواب عن استدلال ابن قبة على عدم الجواز فيقول: (و استدلّ المشهور على الإمكان: بأنّا نقطع بأنّه لا يلزم من التعبّد به محال).
و حاصل ما ذكره المشهور من عدم لزوم أي محذور من التعبّد بالظن أنّا نقطع بالوجدان بعدم لزوم محال أصلا من العمل بالظن، مع وقوع العمل به كثيرا في الشرع، و وقوع الشيء يكون أقوى دليل على إمكانه الوقوعي.
ثم يرد المصنّف ; هذا الاستدلال من المشهور بقوله: (و في هذا التقرير نظر).
و حاصل ما ذكره المصنّف ; ردّا لهذا التقرير أن هذا التقرير لا يوافق ما هو المدّعى إذ المدّعى هو إثبات الإمكان الوقوعي مطلقا. أي: واقعا و ظاهرا، و الدليل المذكور يدل على ثبوته ظاهرا، فيكون الدليل أخصّ من المدّعى، و ذلك لأن عقل الإنسان لا يمكن أن يحيط بجميع الجهات المحسّنة و المقبّحة حتى يدرك عدم القبح في التعبّد بالظن أصلا ثم يحكم بإمكانه، بل إحاطة العقل كذلك غير ممكنة، فكيف يحكم بالقطع و الوجدان بعدم استحالة التعبّد بالظن مطلقا مع أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود في الواقع؟! نعم، عدم الوجدان في الظاهر يدل على الإمكان الظاهري، و هذا ليس المدّعى، بل المدعى هو الإمكان مطلقا.
فالحاصل أن القطع بعدم لزوم المحال حتى في الواقع موقوف على إحاطة العقل بالجهات المقبّحة و علمه بانتفائها، و هو غير حاصل فيما نحن فيه.