دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٨٧ - الثاني هل القطع الحاصل من المقدّمات العقلية حجّة
عليهم، تدلّ على مدخليّة تبليغ الحجّة و بيانه في طريق الحكم، و أنّ كلّ حكم لم يعلم من طريق السماع عنهم : و لو بالواسطة، فهو غير واجب الاطاعة، و حينئذ فلا تجدي مطابقة الحكم المدرك لما صدر عن الحجّة ٧.
لكن قد عرفت عدم دلالة الأخبار، و مع تسليم ظهورها فهو- أيضا- من باب تعارض النقل الظنيّ مع العقل القطعيّ، و لذلك لا فائدة مهمّة في هذه المسألة، إذ بعد ما قطع العقل بحكم و قطع بعدم رضاء اللّه جلّ ذكره بمخالفته، فلا يعقل ترك العمل بذلك ما دام هذا القطع باقيا، فكلّ ما دلّ على خلاف ذلك فمؤوّل أو مطروح.
نعم، الانصاف أنّ الركون إلى العقل فيما يتعلّق بإدراك مناطات الأحكام لينتقل منها إلى
و وجوب امتثالها:
الأول: صدورها عن الأئمّة :.
و الثاني: وصولها إلى المكلّفين بواسطة تبليغهم، و سماع المكلّفين عنهم و لو بالواسطة، كالسماع عن زرارة مثلا، فلا يكفي في تنجّز الأحكام مجرد صدورها عنهم :، و حينئذ إذا لم تصل الأحكام بتوسّط الأئمّة إلى المكلّفين لا يجب امتثالها و إن ادركها العقل السليم، لكن فيه:
أولا: قد عرفت عدم دلالة الأخبار على اعتبار السماع و إنّما تدل على عدم جواز الاستبداد بالعقول الظنية.
و ثانيا: مع تسليم ظهورها في اعتبار السماع (فهو- أيضا- من باب تعارض النقل الظني مع العقل القطعي).
و المراد بالنقلي الظني: هو الأخبار المتقدّمة الدالة على لزوم توسّط تبليغ الحجّة في وجوب إطاعة حكم اللّه تعالى.
و المراد بالعقلي القطعي: هو العقل الدال على عدم توسّط تبليغ الحجّة في ذلك.
و معلوم أن الدليل العقلي القطعي يتقدّم على الدليل النقلي الظني لدلالة الأخبار الكثيرة على حجّية العقل، و تقدّم بعضها حيث دلّ على كونه حجّة باطنة، أو على أنّه ممّا يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان، فلا بدّ من تأويل هذه الأخبار بما ذكره المصنّف ; من أن المقصود منها هو عدم جواز الاستبداد بالأحكام الشرعية بالعقول الناقصة الظنية.