دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٢٨ - الأمر الأول إنّ الأدلّة التي أقيمت على حجّية خبر العادل لا تدلّ إلّا على حجّية الإخبار عن حسّ
و عدم خطئه في حدسه، لأنّ الفسق و العدالة حين الإخبار لا يصلح مناطا لتصويب المخبر و تخطئته بالنسبة إلى حدسه، و كذا احتمال الوقوع في الندم، من جهة الخطأ في الحدس أمر مشترك بين العادل و الفاسق، فلا يصلح لتعليل الفرق به.
فعلمنا من ذلك أنّ المقصود من الآية إرادة نفي احتمال تعمّد الكذب عن العادل حين الإخبار دون الفاسق، لأنّ هذا هو الذي يصلح لإناطته بالفسق و العدالة حين الإخبار،
كما أشار إليه المصنّف ;، بقوله: (لأنّ الفسق و العدالة حين الإخبار لا يصلح مناطا لتصويب المخبر و تخطئته بالنسبة إلى حدسه)، بل هما إنّما يصلحان أن يكونا مناطين لتعمّد الكذب و عدمه.
فالفسق حين الإخبار مناط لتعمّد الكذب، لا الخطأ و النسيان و الغفلة. و العدالة حين الإخبار مناط لعدم تعمّد الكذب لا لعدم سائر الجهات، بل هما متساويان بالنسبة إليها.
فالآية تدل على عدم الاعتناء باحتمال الكذب في خبر العادل و الأخذ به من دون التبيّن، و كذلك تدل على الاعتناء باحتمال الكذب في خبر الفاسق، و عدم الاخذ به من دون التبيّن. و أمّا بالنسبة إلى سائر الجهات فهي ساكتة عنها، فهي لا تنفع في المقام، لأنّها لا تدل على حجّية الخبر عن حدس، كما تقدم ذكره في المقدمة.
و ثانيا: قد علّل وجوب التبيّن في خبر الفاسق باحتمال الوقوع في الندم، فلا بدّ أن يكون الوقوع في الندم من جهة احتمال تعمّد الكذب لا من سائر الجهات، لأنّها مشتركة بين العادل و الفاسق.
فمثلا احتمال الوقوع في الندم من جهة الخطأ في الحسّ، أو في الحدس، يكون مشتركا بينهما، فلا يصح التعليل لأنّ التعليل إذا كان فارقا بينهما لا يصلح أن يكون بأمر مشترك بينهما، بل التعليل كذلك مستهجن استهجان من يقول: أكرم زيد بن أحمد لأنّه إنسان، مع أن زيد بن أرقم- أيضا- إنسان، بل التعليل يجب أن يكون مختصّا بخبر الفاسق، و هو أن يكون احتمال الوقوع في الندم من جهة تعمد الكذب.
فالمقصود بالآية هو نفي احتمال الكذب عمدا عن العادل حين الإخبار، و عدم نفيه عن الفاسق حين الإخبار، و هذا النفي يصلح أن يكون منوطا بالعدالة، و عدم نفيه يصلح أن يكون منوطا بالفسق، و ملخّص الجميع: إنّ الآية أجنبية عن المقام أصلا، فلا يصح التمسّك