دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٢٧ - الأمر الأول إنّ الأدلّة التي أقيمت على حجّية خبر العادل لا تدلّ إلّا على حجّية الإخبار عن حسّ
لا رادع له عن الكذب- هو عدم الاعتناء باحتمال تعمّد كذبه لا وجوب البناء على اصابته
الخبر مطلقا لا بدّ من سدّ هذين الاحتمالين حتى يصحّ العمل على طبقه.
ثم أن الخبر إذا كان حسّيا و المخبر عادلا، لا يقف أمام مطابقته للواقع أيّ احتمال من هذين الاحتمالين المتقدمين، إذ يرتفع الاحتمال الأول، و هو احتمال الخطأ في الحدس أو الغفلة و النسيان بالأصل العقلائي، لأنّ العقلاء لا يعتنون بهذه الاحتمالات، فتجري أصالة عدم الخطأ و الغفلة و النسيان بحق المحتمل. و حينئذ يصح تمسّكه بالخبر.
كما يرتفع الاحتمال الثاني، و هو احتمال الكذب بآية النبأ، لأنّ مقتضى هذه الآية هو عدم الاعتناء باحتمال الكذب في خبر العادل، لأنّ هذا الاحتمال مرجوح في نفسه في حقّ العادل لعدالته، و قوته النفسيّة الرادعة عن الكذب، بخلاف ما إذا كان المخبر فاسقا، فإنّ احتمال الخطأ و الغفلة و النسيان و إن كان منسدّا بالأصل العقلائي، و لكن احتمال الكذب يبقى على حاله، فلا يكون خبره حجّة، فالمتحصّل ممّا ذكر هو حجّية خبر العادل دون خبر الفاسق، إذا كان الخبر حسيّا. و أمّا إذا كان حدسيا فلا يكون حجّة مطلقا، أي: سواء كان المخبر به عادلا أو فاسقا.
و أمّا عدم كونه حجّة، فيما إذا كان من الفاسق، فواضح لما تقدّم في الحسّي.
و أمّا عدم كونه حجّة فيما إذا كان من العادل، فلأنّ احتمال الكذب، و إن كان منسدّا في حقّ العادل، و لكن احتمال الخطأ في الحدس يبقى على حاله إذ الأصل العقلائي يختصّ في احتمال الخطأ في الحسّ، و لا يجري في احتمال الخطأ في الحدس لإجماع العقلاء في العمل بهذا الأصل في الحسيّات فقط.
إذا عرفت هذه المقدمة فيتضح لك أنّ ما يمكن إثبات حجّيته بآية النبأ هو الخبر عن حسّ، إذا كان عن عادل، و بذلك يعرف عدم إمكان اثبات حجّية الإجماع بآية النبأ لأنّه خبر عن حدس، و الآية لا تدل على أكثر من نفي و سدّ احتمال الكذب في خبر العادل الحسي، و الشاهد عليه:
أولا: إنّه تعالى فرّق في مقام الإخبار بين العادل و الفاسق حيث أوجب التبيّن في خبر الفاسق دون العادل. و معلوم أنهما يتفاوتان في مقام الإخبار في تعمّد الكذب فقط، حيث يكون احتمال تعمّد الكذب مختصّا بخبر الفاسق، و أمّا في سائر الجهات فهما متساويان،