سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٨٣ - فصل في ممن زهد في الدنيا من أبناء الملوك
فصل: في ممّن زهد في الدنيا من أبناء الملوك[١]:
و ممّن زهد في الدنيا، و أبصر عيوبها من أبناء الملوك، أبو عقال علوان بن الحسن[٢]، من بني الأغلب، و هم ملوك المغرب، و كان ذا نعمة و ملك، و له فتوّة ظاهرة، فتاب إلى ربّه، و رجع عن ذلك رجوعا فاق نظراءه، فرفض المال و الأهل، و هجر البناء و الوطن، و بلغ من العبادة مبلغا أربى فيه على المجتهدين، و عرف بإجابة الدعوة، و كان عالما أديبا، قد صحب عدة من أصحاب سحنون[٣]، و سمع منهم، ثم انقطع إلى بعض السواحل، فصحب رجلا يكنى أبا هارون الأندلسي، منقطعا متبتلا إلى الله تعالى، فلم ير منه كبير اجتهاد في العمل، فبينا أبو عقال يتهجّد في بعض الليالي، و أبو هارون نائم، إذ غالبه النوم، فقال لنفسه: يا نفس هذا عابد جليل القدر، ينام الليل كلّه، و أنا أسهر الليل كله، فلو أرحت نفسي، فوضع جنبه، فرأى في منامه شخصا، فتلا عليه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ[٤] [الجاثية: ٢١] إلى آخر الآية، فاستيقظ فزعا، و علم أنّه المراد، فأيقظ أبا هارون، و قال له: سألتك بالله، هل أتيت كبيرة قط؟ قال: لا يا ابن أخي، و لا صغيرة عن تعمد و الحمد لله، فقال أبو عقال:
لهذا تنام أنت و لا يصلح لمثلي إلا الكد و الاجتهاد!. ثم دخل إلى مكة و لزم بيت الله الحرام، و حج مرارا و أربى على عبّاد المشرق[٥]، و كان يعمل بالقربة على ظهره بقوته، و مات بمكة و هو ساجد في صلاة الفريضة بالمسجد الحرام سنة ست و تسعين و مائتين.
[١] \* من إضافات المحقق.
[٢] - علوان بن الحسن: من أمراء الأغالبة، و هم سلالة حكمت في أفريقية سنة ١٨٤ ه( ٨٠٠ م)- ٢٩٦ ه( ٩٠٩ م)، و كانت عاصمتهم القيروان، أسسها إبراهيم بن الأغلب عامل هارون الرشيد، و آخرهم زيادة الله، قضى عليهم أبو عبد الله الشيعي( الفاطمي) و قد كان لهم أسطول كبير، و اشتهروا بآثارهم العمرانية.
و قد زهد علوان في الدنيا، و مات بالمسجد الحرام و هو ساجد، سنة ٢٩٦ ه.( المنجد في الأعلام ص ٥٤).
[٣] - سحنون: أبو سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي، و الملقب بسحنون الزاهد، فقيه مالكي من الكبار، ولي قضاء القيروان، له« المدونة الكبرى»، توفي سنة ٢٤٠ ه.( الأعلام ٤/ ٥).
[٤] -( سقطت العبارة من ط)، و تتمة الآية: سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ.
[٥] - أى فاق عليهم فى العبادة.