سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٧٩ - فصل في الاعتبار من أخبار السابقين
|
فى الذّاهبين الأوّلين |
من القرون لنا بصائر[١] |
|
|
لمّا رأيت مواردا |
للموت ليس لها مصادر |
|
|
و رأيت قومي نحوها |
تمضى الأصاغر و الأكابر |
|
|
لا يرجع الماضي إليك |
و لا من الباقين غابر |
|
|
سكنوا البيوت فوطّنوا |
إنّ البيوت هى المقابر |
|
|
أيقنت أنّى لا محا |
لة حيث صار القوم صائر |
|
ثم قال الرجل: لقد رأيت منه عجبا، اقتحمت واديا، فإذا أنا بعين جارية، و روضة مدهامّة[٢]، و شجرة عادية، و إذا بقسّ بن ساعدة، قاعد في أصل الشجرة، و بيده قضيب، و قد ورد على العين سباع كثيرة، فكلما ورد سبع على صاحبه ضربه بالعصا، و قال: تنحّ حتى يشرب الذي ورد قبلك، فلما رأيت ذلك ذعرت ذعرا شديدا، فالتفت إليّ، و قال: لا تخف، فالتفت فإذا بقبرين بينهما مسجد، فقلت: ما هذان القبران؟ قال: هما قبرا أخوي، كانا يعبدان الله تعالى معي في هذا الموضع، و أنا أعبد الله بينهما حتى ألحق بهما، فقلت له: أ لا تلحق بقومك، فتكون في جيرتهم؟ فقال لي: ثكلتك أمّك، أ و ما علمت أن ولد إسماعيل[٣] تركت دين أبيها و اتّبعت الأصنام و عظّمت الأنداد[٤].
ثم تركني و أقبل على القبرين، و قال:
|
خليلىّ هبّا طالما قد رقدتما |
أجدّكما لا تقضيان كراكما![٥] |
|
|
أرى النّوم بين الجلد و العظم منكما |
كأنّ الّذى يسقى العقار سقاكما[٦] |
|
|
أ لم تعلما أنى بسمعان مفرد |
و ما لى فيه من خليل سواكما[٧] |
|
[١] - بصائر: شواهد و عبر و دلائل.
[٢] - مدهامة: خضراء إلى السواد من شدة الخضرة و الريّ.
[٣] - ولد إسماعيل: أي ذريته.
[٤] - الأنداد: مفردها ندّ، و هو الشريك و الشبيه و المثيل.
[٥] - أجدّكما: أي: أ يجدّ منكما! قال ابن منظور في لسان العرب( باب: جدد):« إذا كسر الجيم استحلفه بجدّه، و بحقيقته، و إذا فتحها استحلفه بجدّه و بخته». و الهمزة: حرف استفهام يفيد الحث، فالشاعر يحثهما على أن ينهضا و يستيقظا من النوم. و الكرى: النعاس.
[٦] - العقار: الخمر.
[٧] - سمعان: جبل في ديار بني تميم، و نقل عن العمراني قوله:« أن سمعان اسم لموضع بالشام فيه قبر عمر بن عبد العزيز»( معجم البلدان ج ٣/ ٢٨٣).