سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٩١ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
الرومى فصاح الكفار سرورا، و انكسرت نفوس المسلمين، و جعل يجول بين الصفين و ينادى و يقول: ثلاثة لواحد؟ فلم يستجرئ أحد من المسلمين أن يخرج إليه، و بقى الناس فى حيرة، فقيل للسلطان: ما لها إلا أبو الوليد بن فتحون، فدعاه و تلطّف به، و قال له: أما ترى ما يصنع هذا العلج؟ قال: هو بعينى. قال: فما الحيلة فيه؟ فقال أبو الوليد: فما ذا تريد؟ فقال: اكف المسلمين شره. فقال: الساعة يكون ذلك إن شاء الله تعالى. فلبس قميص كتان، و استوى على سرجه بلا سلاح، و أخذ بيده سوطا طويل الطّرف، و فى طرفه عقدة معقودة، ثم برز إليه، فعجب منه النصرانى، ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه، فلم تخط طعنة النصرانى سرج ابن فتحون، و إذا ابن فتحون متعلق برقبة الفرس، و نزل إلى الأرض لا شيء منه فى السرج ثم طفر[١] على سرجه، و حمل عليه و ضربه بالسوط فى عنقه، فالتوى عنقه، فجذبه بيده من السرج، فاقتلعه، و جاء به يجره، فألقاه بين يدى المستعين، فعلم المستعين أنه كان قد أخطأ فى صنعه معه، فأكرمه و ردّه إلى أحسن أحواله.
أيها الأجناد: أقلّوا الخلاف على الأمراء فلا ظفر مع اختلاف، و لا جماعة لمن اختلف عليه، قال الله تعالى: وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: ٤٦]. أول الظّفر الاجتماع، و أول الخذلان الافتراق، و عماد الجماعة السمع و الطاعة.
و إنما أتي على بن أبى طالب رضى الله عنه، يوم صفين[٢] من العصيان، و كان قد ظهر أهل العراق على أهل الشام، و تضعضعت صفوف معاوية، فأحس بالشر و أنه مغلوب، فقال لعمرو بن العاص: اذهب فخذ لنا الأمان من ابن عمك- يعنى عليا- فأدار عمرو الحيلة، فأمرهم أن يرفعوا المصاحف فى أطراف الرماح، و ينادون: ندعوكم إلى كتاب الله تعالى، فلما رأى ذلك أصحاب على كفوا عن الحرب، فقال لهم على رضى الله عنه: أى قوم: هذه مكيدة منهم، و لم يبق فى القوم دفاع، فعصوه و تركوا القتال، و كان ذلك سبب الحكمين.
[١] - طفر على سرجه: أى وثب فى ارتفاع كما يقفز الإنسان على الحائط.
[٢] - موقعة صفين فيها تلاحم جيش على بن أبى طالب رضى الله عنه مع جيش معاوية بن أبى سفيان و ذلك سنة ٣٧ ه و انتهت بالتحكيم، و من أثارها ظهور الخوارج و ثورتهم.