سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٣٧ - الباب الثامن و الخمسون فى القصاص و حكمته
يقول شدّ شدّ، حتى عرف عثمان أنه قد بلغ منه، ثم قال: واها لقصاص الدنيا قبل قصاص الآخرة[١].
روى عون بن عبد الله[٢]: أنّ النبى صلى اللّه عليه و سلم دعا خادما له فلم يجبه أو كان نائما، فقال النبى صلى اللّه عليه و سلم: «لو لا القصاص لأوجعتك ضربا»[٣] و روى ابن وهب[٤] فى (موطّئه) عن ابن شهاب[٥] قال: و قد أقاد[٦] النبى صلى اللّه عليه و سلم و الخليفتان من أنفسهم، ليستنّ بهم، و لم يتعمدوا حيفا[٧]، و كانوا سلاطين.
و من صحيح مسلم، روى أبو هريرة أن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال: «أ تدرون من المفلس»؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له و لا متاع، فقال: «إن المفلس من أمتى، يأتى يوم القيامة بصلاة و صيام و زكاة، و يأتى و قد شتم هذا، و قذف هذا، و أكل مال هذا، و سفك دم هذا، و ضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته و هذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح فى النار»[٨].
قال مالك: و بلغنى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه، لما ولى الخلافة، ضرب رجلا ثم ندم، و قال: ما لي و لهذا؟ أ لا رددتها عليهم[٩]. فسمعته عائشة، فأرسلت إلى عمر. فجاءه عمر، فقال له: إنى قد ضربت رجلا و قد كنت معافى من هذا أن أضرب. فقال عمر: كذلك الإمام، فقال: فما المخرج؟
قال: أن تأتي الرجل، فتسأله أن يجعلك فى حلّ. فأتياه فاستحلّاه[١٠].
[١] - ذكرت هذه الحكاية في تاريخ واسط برواية ابن أبي الفرات عن أبيه( ١/ ١٨٤).
[٢] - عون بن عبد الله بن مسعود الهذلى من المحدثين الثقات و العابدين مات سنة ١١٥ ه.
( الأعلام ٥/ ٩٨).
[٣] - رواه الطبرانى و أبو نعيم فى الحلية عن ام سلمة بلفظ:« لو لا القصاص لأوجعتك بهذا السواك» الجامع الصغير رقم ٧٥٢٥ و قال حديث حسن و خرجه المتقي الهندى فى كنز العمال برقم ٣٩٨٢٠.
[٤] - ابن وهب: الفقيه عبد الله بن وهب بن مسلم الفهرى، المصري، فقيه من الأئمة، جمع الفقه و الحديث و العبادة من أصحاب الإمام مالك توفى بمصر سنة ١٩٧ ه له كتابان فى الحديث: الموطأ الصغير، و الموطأ الكبير.( الأعلام ٤/ ١٤٤).
[٥] - ابن شهاب الزهرى: محمد بن مسلم بن عبد الله أول من دون الحديث و أحد أكثر الحفاظ و الفقهاء من التابعين كان يحفظ( ٢٤٠٠) حديثا نصفها مسند توفى سنة ١٢٤ ه.( الأعلام ٧/ ٩٧).
[٦] - أقاد: من القود و هو القصاص.
[٧] - حيفا: ظلما.
[٨] - أخرجه الإمام مسلم فى كتاب البر و الصلة و الآداب« باب تحريم الظلم» رقم( ٢٥٨١) و قال: إن حقيقة المفلس المذكور فى هذا الحديث فهو الهالك الهلاك التام.
[٩] - أي الخلافة.
[١٠] - استحلّاه: طلبا منه أن يجعله في حلّ.