سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٢٥ - الباب السادس و الخمسون فى الظلم و شؤمه و سوء عاقبته
قال اللّه تعالى: أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَ تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَ تَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ[١] [العنكبوت: ٢٩]- و النادى: المجلس- و يلعبون بالحمام. و يرمون بالجلاهق[٢]. و ضرب الدف، و شرب الخمور، و قص اللحية و تطويل الشارب، و التصفيق و لبي الحمرة[٣]. و تزيد عليهم هذه الأمة: باتيان النساء بعضهن بعضا.
و إنما حملهم على اتيان الرجال: أنّهم كانت لهم ثمار كثيرة فى منازلهم و حوائطهم، فأصابهم قحط و قلة من الثمار، فقالوا: بأى شيء نمنع ثمارنا حتى لا يطرقها أحد من الناس؟ فاصطلحوا على أن من وجدوه فيها نكحوه و غرموه أربعة دراهم، ففعلوا و ما سبقهم بها أحد من العالمين.
قال ابن عباس: فكان بدء الفاحشة فيهم أنّهم همّوا بذلك، فجاءهم إبليس فى هيئة صبى، أجمل شيء رآه الناس، فنكحوه و تجرءوا على ذلك.
و قال أبو العتاهية[٤].
|
أما و اللّه إنّ الظلم لؤم |
و لكنّ المسيئ هو الظّلوم |
|
|
إلى ديّان يوم الدّين نمضى |
و عند اللّه تجتمع الخصوم |
|
|
سل الأيّام عن أمم تقضّت |
فتخبرك المعالم و الرّسوم |
|
و روى أنّ أنوشروان كان له معلّم حسن التأديب، فعلّمه حتى فاق فى العلوم، فضربه المعلم يوما من غير ذنب فأوجعه، فحقد أنوشروان عليه، فلما ولى الملك قال له: ما حملك على ما صنعت من ضربى يوم كذا و كذا ظلما؟
قال: لما رأيتك ترغب فى العلم، رجوت لك الملك بعد أبيك، فأحببت أن أذيقك طعم الظلم، لئلا تظلم فقال أنوشروان: زه[٥].
[١] - و قد ذكر القرطبى فى معرض تفسيره لهذه الآية جملة من اخلاق قوم لوط نقلها عن مجاهد و مكحول و ابن عباس حيث قال: إن قوم لوط كانت لهم ذنوب عشرة.
[٢] - الجلاهق: جسم صغير كروى من طين أو رصاص يرمى به، و قيل هو القوس التى يرمى بها البندقة( فارسية).
[٣] - لبس الحمرة: قال العلماء إن كراهة الحمرة من اللباس منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج للزينة.
[٤] - أبو العتاهية: إسماعيل بن القاسم، الشاعر المعروف سبقت ترجمته.
[٥] - زه. أى أحسنت، و تستعمل هذه الكلمة للاستحسان و التهكم.