سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٠٩ - الباب الخامس و الخمسين فى معرفة حسن الخلق
وافى داره، قال مثل ما قال فى الأولى، و اخذ يعتذر، ثم كذلك فى الثالثة، و الرابعة، و أبو عثمان ينصرف و يحضر. ثم قال: يا أستاذ، إنما أردت اختبارك، و الوقوف على أخلاقك، و جعل يعتذر إليه و يمدحه، فقال أبو عثمان: لا تمدحنى على خلق تجد مثله مع الكلاب، فالكلب إذا دعي حضر، و إذا زجر انزجر.
و روى: أن بعض الفقراء نزل على جعفر بن حنظلة، و كان جعفر يخدمه و الفقير يقول: نعم الرجل أنت، لو لم تكن يهوديا، فقال له جعفر: عقيدتى لا تقدح فيما تحتاج إليه من الخدمة، فسل لنفسك الشفاء، ولى الهداية.
و روى أن أبا جعفر القمودى[١] المتعبد، لقيه بعض الأجناد و معه كلب للصيد، فقال له: خذ هذا الكلب و قده خلفي، فأبى، فضرب رأسه بالسّوط حتى أوجعه، فقال له بعض المارّين: ويحك هذا أبو جعفر القمودى العابد:
فنزل عن فرسه و جعل يقبل يديه و يعتذر إليه، فقال: أنت فى حلّ.
قال إبراهيم بن الحسن: سمعت إبراهيم القمودى ليالى عديدة، إذا فرغ من حزبه[٢] فى جوف الليل، يدعو و يقول: اللهم اغفر لصاحب الكلب و ارحمه.
و قيل: مكتوب فى الإنجيل: عبدى، اذكرني حين تغضب، أذكرك حين أغضب.
و قال بعض المفسرين فى قوله تعالى: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة: ٨٣] أى كلّ من لقيته فقل له حسنا من القول.
و قال لقمان لابنه: ثلاثة لا يعرفون إلا فى ثلاثة: الحليم عند الغضب، و الشجاع فى الحرب، و الأخ عند الحاجة إليه.
و روى أن عبد اللّه الخياط، كان له مجوسيّ يخيط عنده الثياب، و يدفع له دراهم زيوفا[٣]، و كان عبد اللّه يأخذها، فجاء المجوسى يوما بالدراهم فلم يجده، فأعطاها لتلميذه فلم يقبلها، فدفع له صحاحا، فلمّا رجع عبد الله قال
[١] - أبو جعفر إبراهيم القمودى: الإمام زاهد المغرب، نسبة إلى« قمودة» قرية بالقيروان، كان سيدا عالما منقطع القرين كما يقول الذهبي، مات فى سوسة سنة ٣٢٤ ه( سير أعلام النبلاء ١٥/ ٧٨).
[٢] - الحزب: أى القسم الذى يقرأه من القرآن و الأدعية.
[٣] - الدراهم الزيوف: أى الرديئة و المزيفة.