سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٠٨ - الباب الخامس و الخمسين فى معرفة حسن الخلق
فانكسر الحوض، فجلس ثم اضطجع، فقيل له فى ذلك؟ فقال: إن النبى صلى اللّه عليه و سلم أمرنا: «إذا غضب الرجل أن يجلس، فإن ذهب عنه، و إلا فليضطجع»[١].
و قال على بن أبى طالب رضى اللّه عنه: إنا لنصافح أكفّا نرى قطعها، و قال أبو ذر: إنا لنكشر[٢] فى وجوه قوم، و أن قلوبنا لتلعنهم.
و قال الحارث بن قيس[٣]: يعجبنى من القرّاء كلّ طليق مضحاك، فأما الذى تلقاه ببشر و يلقاك بعبوس، يمنّ عليك بعمله، فلا أكثر اللّه فى المسلمين مثله.
و قال عروة بن الزبير[٤]: مكتوب فى الحكمة: بنىّ لتكن كلمتك طيبة، و ليكن وجهك طلقا، و لتكن أحبّ إلى الناس ممن يعطيهم العطاء. و من يصحب صاحب السوء لا يسلم، و من يصحب صاحبا صالحا يغنم.
و روي أن إبراهيم بن أدهم[٥]، خرج إلى بعض البراري فاستقبله جندي، فقال له: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة، فضرب رأسه فأوضحه[٦]، فلما جاوزه، قيل له: هذا إبراهيم بن أدهم، زاهد خراسان، فجاءه يعتذر إليه، فقال:
إنك لمّا ضربتنى سألت اللّه لك الجنة، فقال: لم؟ فقال: قد علمت أني أؤجر على ذلك، فلم أرد أن يكون نصيبى منك الخير، و نصيبك مني الشر.
و حكي أن أبا عثمان الحبرى[٧]، دعاه إنسان إلى ضيافة، فلما وافى باب الدار قال: يا أستاذ، ليس لي وجه فى دخولك، و قد ندمت، فانصرف رحمك الله، فرجع أبو عثمان، فلما وافى منزله عاد إليه الرجل، و قال: يا أستاذ:
ندمت، و أخذ يعتذر، و قال: أحضر الساعة، فقام أبو عثمان و مضى معه، فلما
[١] - روى الإمام أحمد فى مسنده و أبو داود و ابن حبان عن أبي ذر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« إذا غضب أحدكم و هو قائم فليجلس، فإذا ذهب عنه الغضب، و إلا فليضطجع» و الحديث فى صحيح( الجامع الصغير- رقم ٧٦٩).
[٢] - كشّر عن أسنانه: كشف عنها و أبداها( عند الضحك و غيره).
[٣] - الحارث بن قيس الجعفي الكوفي، العابد الفقيه، صحب عليّا و ابن مسعود رضي اللّه عنهما، و قلّما روى، توفي في زمن معاوية( سير أعلام النبلاء ٤/ ٧٥).
[٤] - عروة بن الزبير بن العوام القرشى، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة كان عالما صالحا كريما لم يدخل فى شيء من الفتن انتقل إلى البصرة، ثم إلى مصر فتزوج و أقام بها سبع سنين ثم رجع إلى المدينة و توفى بها سنه ٩٣ ه( الأعلام ٤/ ٢٢٦).
[٥] - إبراهيم بن أدهم زاهد خراسان سبقت ترجمته.
[٦] - أى شجّ رأسه حتى كشف العظم.
[٧] - أبو عثمان الحيرى: من شيوخ الصوفية الزهاد، سبقت ترجمته.