سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٠٧ - الباب الخامس و الخمسين فى معرفة حسن الخلق
و روى أن عليا رضى اللّه عنه، دعا غلاما له فلم يجبه، فدعاه ثانيا، و ثالثا، فلم يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعا، فقال: أ ما تسمع يا غلام؟ قال نعم. قال:
فما حملك على ترك جوابى؟ قال: أمنت عقوبتك فتكاسلت. قال: امش فأنت حر لوجه الله.
و هذا كما ترى قوة إلهية يفرغها اللّه على المصطفين من عباده، و أهل الصفوة من أوليائه، أ لا ترى إلى قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩] فجرّده عن حقائق البشرية، و ألبسه من نعوت الربوبية، حتى قوّاه على صحبتهم، و صبّره على تبليغ الرسالة إليهم، مع الذى كان يقاسيه من أخلاقهم، مع كونه مستغرقا باستيلاء الحق تعالى عليه، يختص برحمته من يشاء.
و قال النبى صلى اللّه عليه و سلم: «المؤمن ألف مألوف و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف»[١] و إنما سمى بالآدمى؛ لأنه تألّف من الجواهر و الألوان.
و قال صلى اللّه عليه و سلم لرجلين متباغضين: «آدم اللّه بينكما» اى: ألّف بينكما. و منه سمى الأدم المأكول، لأنه يؤلّف الطعام و يحسّنه، و منه قول النبى صلى اللّه عليه و سلم لرجل أراد أن يتزوج امرأة: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»[٢] أى يؤلّف بينكما.
و روي أن معروفا الكرخى[٣]، نزل الدجلة يتوضأ و وضع مصحفه و ملحفته، فجاءت امرأة فأخذتهما، فتبعها معروف، و قال: يا أختى: أنا معروف، لا بأس عليك، أ لك ابن يقرأ؟ قالت: لا. قال: فزوج؟ قالت: لا.
قال: فهاتى المصحف و خذى الثوب.
و روى أن أبا ذر كان على حوض يسقى إبله، فأسرع بعض الناس إليه
[١] - الحديث: رواه الإمام أحمد بلفظ» المؤمن يألف و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف» و الحديث صحيح( الجامع الصغير رقم ٩١٤٦ و ٩١٤٧).
[٢] - رواه النسائى و الترمذي عن المغيرة بن شعبة و قال حديث حسن( كنز العمال- ج ١٦ رقم ٤٤٥٧٢).
[٣] - معروف الكرخى: أحد أعلام الزهاد و المتصوفين. كان من موالى الإمام على الرضا بن موسى الكاظم، ولد فى كرخ بغداد و توفى ببغداد سنة ٢٠٠ ه- اشتهر بالصلاح و التقوى، و لابن الجوزى كتاب فى أخباره و آدابه.( طبقات الصوفية ١/ ٨٠).