سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٠٤ - الباب الخامس و الخمسين فى معرفة حسن الخلق
و روى أبو داود فى السنن، أن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»[١] اقتضى الحديث: أن كل نبى مبعوث إلى أمة إنما بعث ليعلّم الخلق حسن الخلق، و أن نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم بعث ليتمم مكارم الأخلاق، فإذن حسن الخلق امتثال الشرائع بأسرها.
و روى البخارى عن ابن عمرو أن النبى صلى اللّه عليه و سلم لم يكن فاحشا و لا متفحشا، قال: «و إن من أحبكم إلىّ أحسنكم أخلاقا»[٢].
«و كان النبى صلى اللّه عليه و سلم فى بعض أسفاره، و عليه رداء نجرانيّ غليظ الحاشية، فجبذه أعرابى جبذة[٣] شديدة، حتى أثرت حاشية الرداء على عنقه، و قال يا محمد: مر لي من مال اللّه الذى أتاك، فلست تأمر لى بمالك و لا بمال أبيك، فالتفت إليه النبى صلى اللّه عليه و سلم و قال: «مروا له و لم يكلمة بشيء»[٤]، و روى معاذ بن جبل أن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال له: «أحسن خلقك للناس، يا معاذ بن جبل»[٥].
و اعلموا: أن الخلق الحسن أفضل مناقب العبد، و به يظهر جواهر الرجال، و الإنسان مستور بخلقه مشهور بخلقه، أ لا ترى أن اللّه تعالى خص نبيه، صلى اللّه عليه و سلم، بما خصه به من الفضائل، ثم لم يثن عليه بشيء من خصاله، بمثل ما أثنى عليه بخلقه. و قال بعض المفسرين فى قوله تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٩] قال: لا تخاصم و لا تخاصم من شدة معرفتك بالله تعالى، و قيل: لم يؤثر فيك جفاء الخلق بعد معرفتك بالحق.
و قال المحاسبى[٦]: كظم الغيظ و إظهار الطلاقة و البشر، إلّا لمبتدع أو
[١] - الحديث: رواه الإمام مالك فى الموطأ فى باب ما جاء فى حسن الخلق. قال ابن الأثير الجزرى:
إسناده منقطع و لكن للحديث شواهد يرتقى بها إلى درجة الحسن[ جامع الأصول- ابن الأثير الجزرى- ج ٤/ ص ٤).
[٢] - الحديث: رواه البخارى عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، كتاب الآداب باب لم يكن رسول اللّه فاحشا و لا متفحشا. و رواه مسلم و الترمذى و الحديث صحيح، و معنى متفحشا: أى يتعمد و يتكلف الفحش( جامع الأصول ج ٤/ ٨).
[٣] - جبذ و جذب بمعنى واحد، و الحديث رواه الإمام أحمد فى مسنده عن أنس بن مالك ٣/ ٢٢٤ بلفظ:« فتبسم له ثم قال: مروا له» و رواه ابن جرير( كنز العمال رقم ١٨٦٥١).
[٤] - جبذ و جذب بمعنى واحد، و الحديث رواه الإمام أحمد فى مسنده عن أنس بن مالك ٣/ ٢٢٤ بلفظ:« فتبسم له ثم قال: مروا له» و رواه ابن جرير( كنز العمال رقم ١٨٦٥١).
[٥] - أخرجه الإمام مالك فى الموطأ فى حسن الخلق بغير إسناد قال الزرقانى له شواهد منها ما رواه الإمام أحمد و الترمذى و غيرهما بإسناد حسن عن معاذ، قال ابن الجزرى: قلت فالحديث حسن بطرقه و شواهده التى تشهد له بالمعنى( جامع الأصول- ابن الأثير الجزرى- ج ٤/ ٣، ٤).
[٦] - المحاسبى: هو الحارث بن أسد المحاسبى أبو عبد اللّه، من كبار الصوفية، له تصانيف فى الزهد و الرد على المعتزلة ولد و نشأ بالبصرة و مات ببغداد سنة ٢٤٣ ه.( الأعلام ٢/ ١٥٣).