سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٠٢ - الباب الخامس و الخمسين فى معرفة حسن الخلق
الباب الخامس و الخمسين فى معرفة حسن الخلق
اعلموا أرشدكم اللّه تعالى: أن هذا الباب مما غلط الخلق فيه (و قلبوا القوس ركوة)[١] فعمدوا إلى أخلاق العامة، و خلائق الغوغاء و الأدنياء و ما يجرى بينهم إذا تلاقوا و تعاشروا، من الإفراط فى مدح بعضهم بعضا، و تعاطيهم الكذب و التصنّع و الملق[٢] و المراءاة و المعاريض[٣] عن الأمور المكنونة التى يسوء إظهارها، و الانخراط فى سلك المزاح و المهاترة، فهذا و ما أشبهه عندهم من حسن الخلق، و هو عندنا نقيض ما نص اللّه تعالى عليه و رسوله من حسن الخلق.
فأول ذلك: أن تعلم أنه لم تحتو[٤] الأرض على بشر، أحسن خلقا من محمد صلى اللّه عليه و سلم، فكل من تخلق بأخلاق رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أو قاربها، أو بعضها، كان أحسن الناس خلقا، و كل خلق ليس يعد من أخلاقه صلى اللّه عليه و سلم فليس من حسن الخلق.
و هذا فصل الخطاب فى هذا الباب لمن عقل، و إنما أوتى الناس فى هذا الباب، لأنهم استحسنوا الأخلاق العامية، و استخشنوا الأخلاق النبوية لجهلهم بأخلاق المصطفى صلى اللّه عليه و سلم، و ها أنا أتلو عليك من أخلاق الأنبياء و المرسلين، و الأولياء و الأصفياء، و العلماء و الصالحين، ما نرجو أن ينفعنا اللّه و إياك به.
قال اللّه تعالى لنبيه و صفيه محمد صلى اللّه عليه و سلم: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] فخص اللّه نبيه من كريم الطباع، و محاسن الأخلاق من الحياء و الكرم، و الصفح و حسن العهد، بما لم يؤته غيره، ثم ما أثنى اللّه تعالى عليه بشيء من فضائله، بمثل ما أثنى عليه بحسن الخلق فقال: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ
[١] - مثل يضرب فى انقلاب الأمور، و معلوم أن القوس آلة على شكل نصف دائرة ترمى بها السهام، و الركوة: إناء صغير يشرب فيه الماء.
[٢] - الملق: التملق و النفاق.
[٣] - المعاريض: خلاف المصرّح به.
[٤] - تحتوى: تضم و تحرز.