سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٠٠ - الباب الرابع و الخمسون فى هدايا العمال و الرشا على الشفاعات
العامل من غير رشوة، و إن كان حلالا، فلا يستحق ذلك، لأن له بالإمرة قوة على أن ينال من الحلال ما لا يناله غيره، فجعله كالمضارب للمسلمين.
و لما دفع أبو موسى الأشعرى مالا من بيت المال، لعبد اللّه و عبيد الله، ابنى عمر بن الخطاب بالبصرة، اشتريا منه بضاعة، فربحت بالمدينة، فأراد عمر أن يأخذ جميع الربح، فراجعه عبيد الله، فحكم بينهم بنصف الربح، فأخذا جميعا نصف الربح، و أخذ عمر النصف لبيت المال.
و كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: أما بعد، فإنما هلك من كان قبلكم، بمنعهم الحق حتى يشترى، و بسطهم الباطل حتى يفتدى، الملك بالدين يقوى، و الدين بالملك يبقى.
و كان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، يأمر إذا قدم عليه العمال، أن يدخلوا نهارا و لا يدخلوا ليلا، كى لا يحتجبوا شيئا من الأموال.
و قال عتاب بن أسيد[١]: و الله ما أصبت فى عملى الذى ولّاني النبى صلى اللّه عليه و سلم إلا ثوبين معقّدين، كسوتهما مولاى كيسان.
و روى أن عليّا رضى اللّه عنه، استعمل أبا مسعود الأنصارى[٢] على السواد، فرجع إلى داره و قد امتلأت، فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: كذلك يصنعون بالرجل إذا استعمل[٣]، قال: كل هؤلاء يريدون أن يأكلوا فى أمانتي؟- و يروى فى إمارتى؟- فرجع إلى علىّ رضي اللّه عنه، و قال: لا حاجة لى فى العمل.
و قد ذكرنا أن النبى صلى اللّه عليه و سلم دعا عبد الرحمن بن سمرة[٤] ليستعمله، فقال: يا رسول اللّه اختر لى. قال اقعد فى بيتك.
و فى الأمثال: أن الهديّة تعمي و تصمّ.
و قال بعض الحكماء: الرشوة رشاء[٥] الحاجة.
[١] - عتّاب بن أسيد بن ابى العيص بن أمية بن عبد شمس، استعمله رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على مكة حين مخرجه إلى حنين سنة ٨ ه. و قد سبقت ترجمته.
[٢] - أبو مسعود الأنصارى: هو عقبة بن عمرو بن ثعلبه الأنصارى من الخزرج، صحابى شهد العقبة و غزوة أحد و ما بعدها، و نزل الكوفة، و كان من أصحاب على رضى اللّه عنه فاستخلفه عليها لما سار إلى صفين و توفى بها سنة ٤٠ ه( الأعلام ٤/ ٢٤٠).
[٣] - أى صار عاملا أو واليا.
[٤] - عبد الرحمن بن سمرة، صحابى من القادة الولاة، أسلم يوم فتح مكة، و شهد غزوة مؤتة، سكن البصرة و افتتح سجستان و وليها ثم عاد إلى البصرة و توفى فيها سنة ٥٠ ه، سبقت ترجمته.
[٥] - الرشوة: ما يعطى لإبطال حق أو إحقاق باطل. الرشا: الحبل عموما أو حبل الدلو.