سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٥٩ - فصل فى ميزانية فرعون مصر و كيفية التصرف فيها
من لا ينفعنا، و لا يغنى عنا، فبكى نظام الملك، و قال: يا بني أنا شيخ أعجمى لو نودى علىّ فيمن يزيد، لم أحفظ خمسة دنانير، و أنت غلام تركى لو نودى عليك، عساك تحفظ ثلاثين دينارا، و أنت مشتغل بلذاتك، منهمك فى شهواتك، و أكثر ما يصعد إلى الله تعالى معاصيك دون طاعتك، و جيوشك الذين تعدهم للنوائب إذا احتشدوا كافحوا عنك بسيف طوله ذراعان، و قوس لا ينتهى مدى مرماه ثلاثمائة ذراع، و هم مع ذلك مستغرقون فى المعاصى و الخمور، و الملاهى، و المزمار، و الطنبور[١]، و أنا أقمت لك جيشا يسمى جيش الليل، إذا نامت جيوشك ليلا، قامت جيوش الليل على أقدامهم صفوفا بين يدى ربهم، فأرسلوا دموعهم، و أطلقوا بالدعاء ألسنتهم، و مدّوا إلى الله أكفّهم، بالدعاء لك و لجيوشك، فأنت و جيوشك فى خفارتهم تعيشون، و بدعائهم تبيتون، و ببركاتهم تمطرون و ترزقون، تخرق سهامهم إلى السماء السابعة بالدعاء و التضرّع. فبكى أبو الفتح الملك بكاء شديدا ثم قال: (شاباش يا أبت شاباش)[٢]، أكثر لى من هذا الجيش.
و من مناقب هذا الرجل و فضائله: أنّ رجلا قصده يقال له: أبو سعيد الصوفى، فقال له: يا خواجا: انا أبنى لك مدرسة ببغداد (مدينة السلام)، لا يكون فى معمور الأرض مثلها، يخلد بها ذكرك إلى أن تقوم الساعة، قال:
افعل. و كتب إلى وكلائه ببغداد، ان يمكّنوه من الأموال، فابتاع بقعة على شاطئ دجلة، و خط المدرسة النظاميّة، و بناها أحسن بنيان، و كتب عليها اسم نظام الملك، و بنى حولها أسواقا تكون محبسة عليها، و ابتاع ضياعا و خانات و حمامات و أوقفت عليها، فكملت لنظام الملك بذلك رئاسة، و سؤدد، و ذكر جميل، طبّق الأرض خبره[٣]، و عم المشارق و المغارب أثره، و كان ذلك فى سنى عشر الخمسين و أربعمائة من الهجرة، ثم رفع حساب النفقات إلى نظام الملك، فبلغ ما يقارب (ستين ألف دينار)، ثم نمى الخبر إلى نظام الملك، من الكتّاب و أهل الحساب، أن جميع ما أنفق فيها نحوا من تسعة عشر ألف دينار، و أن سائر الأموال احتجبها لنفسه و خانك فيها، فدعاه نظام الملك إلى
[١] - الطنبور: آلة طرب ذات عنق طويل لها أوتار من نحاس( فارسية).
[٢] - شاباش: كلمة فارسية تعنى: لا بأس و لا مانع.
[٣] - طبق خبره: اى عم و انتشر.