سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٩٦ - الباب الثالث و الثلاثون فى كتمان السر
قال شيخنا: قلت: الناس يقولون: أراد بالاثنين (المودع، و المودع)، و لا يبعد أن يريد به (الشفتين).
و كان يقال: أصبر الناس: من صبر على كتمان سرّه فلم يبده لصديقه، فيوشك أن يصير عدوه.
و قد روى فى الحديث عن النبى صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إذا حدّث الرّجل الرّجل ثم التفت فهى أمانة»[١] قلت: و إذا كانت أمانة حرمت فيها الخيانة، كالأمانة فى الأموال.
و قال أبو بكر بن حزم[٢]: إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله، فلا يحل لأحدهما أن يفشى على صاحبه ما يكره.
و قال هشام بن عروة[٣]: ما من رجل ينتقص من امانته إلّا نقص إيمانه.
و قال جعفر بن عثمان[٤]:
|
يا ذا الذى أودعنى سرّه |
لا ترج أن تسمعه منّى |
|
|
لم أجره قطّ على فكرتى |
كأنّه لم يجر فى أذنى |
|
و كان عمرو بن العاص يقول: ما أفشيت سرّى إلى رجل، فأفشاه علىّ فلمته، إذ كان صدرى أضيق به.
و قال الأحنف بن قيس: يضيق صدر أحدهم بسرّه حتى يحدّث به، ثم يقول: اكتمه علىّ.
و فى منثور الحكم: انفرد بسرك، و لا تودعه حازما فيزلّ، و لا جاهلا فيخون.
و أنشدوا:
|
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه |
فصدر الذى يستودع السرّ أضيق |
|
[١] - الحديث: رواه الإمام أحمد و أبو داود و الترمذى عن جابر و ابن ابى يعلى عن أنس( إذا حدث الرجل بحديث ...) و الحديث صحيح( الجامع الصغير- رقم ٥٦١).
[٢] - أبو بكر بن حزم: محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى من التابعين و رواة الحديث الثقات، توفى سنة ١٢٠ ه
[٣] - هشام بن عروة بن الزبير بن العوام: تابعى من أئمة الحديث و من علماء المدينة، دخل بغداد على عهد المنصور و كان من خاصته، توفى ببغداد سنة ١٤٦ ه
[٤] - جعفر بن عثمان المصحفى: أديب و شاعر و وزير أندلسى من كبار الكتاب و له شعر جيد، اعتقله المنصور بن أبى عامر أمير الأندلس لخدمته( أم هشام المؤيد بن الحكم)، فاستعطفه جعفر بمنظومة و منثورة و لكنه لم يرقّ له و قتله سنة ٣٧٢ ه( الأعلام ٢/ ١٢٥).