سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٩٤ - الباب الثالث و الثلاثون فى كتمان السر
و قال عمر بن عبد العزيز: القلوب أوعية و الشّفاه أقفالها، و الألسن مفاتيحها، فليحفظ كلّ إمرئ مفتاح سرّه.
و من أعجب الأمور، أن أغلاق[١] الدنيا كلما كثرت خزّانها كان أوثق لها، إلا السر؛ فإنه كلّما كثر خزّانه كان أضيع له، فكم من إظهار سرّ أراق دم صاحبه، و منع من بلوغ مآربه، و لو كتمه أمن من سطوته.
قال أنوشروان: من حصّن سرّه فله بتحصينه خصلتان: الظّفر بحاجته و السّلامة من السّطوات، و قال بعض الحكماء: سرّك من دمك، فلا تجره فى غير أوداجك[٢]، فإذا تكلّمت به فقد أرقته.
و كان لعثمان بن عفان- رضى الله عنه- كاتب يقال له: (حمران)[٣] فاشتكى[٤] عثمان، فقال: أكتب العهد بعدى لعبد الرحمن بن عوف. فقال حمران لعبد الرحمن: البشرى، فقال عبد الرحمن: لك البشرى، بما ذا؟
فأخبره الخبر، فانطلق عبد الرحمن فأخبر عثمان، فقال عثمان: أعاهد الله أن لا يساكننى حمران أبدا، و نفاه إلى البصرة، فلم يزل بها حتى قتل عثمان رضى الله عنه.
و اعلم أن كتمان الأسرار بدلّ على جواهر الرّجال.
و كما أنه لا خير فى آنية لا تمسك ما فيها، فلا خير فى إنسان لا يمسك سرّه.
و يروى أن رجلا أودع سرّه عند رجل، فقال له: أ فهمت؟ قال: بل جهلت.
قال: احفظت؟ قال: بل نسيت.
و قيل لبعضهم: كيف كتمك السر؟ قال: أجحد المخبر، و أحلف للمستخبر، و قال الشاعر:
|
و لو قدرت على كتمان ما اشتملت |
منّى الضّلوع على الأسرار و الخبر |
|
|
لكنت أوّل من ينسى سرائره |
إذ كنت من نشرها يوما على خطر |
|
[١] - أغلاق: أقفال.
[٢] - الأوداج؛ عروق فى العنق.
[٣] - حمران بن أبان بن عمرو، أبا زيد، سباه المسيّب الفزارى و كان يهوديا اسمه« طويدا» فاشترى لعثمان ثم اعتقه، و صار يكتب بين يديه، ثم غضب عليه، فأخرجه إلى البصرة، فلمّا قدم الحجّاج إلى البصرة آذاه و أخذ منه مائة ألف درهم فكتب إلى عبد الملك بن مروان يشكوه. فأمر بالإحسان إليه و رد ماله( المعارف لابن قتيبة ص ٤٣٥).
[٤] - اشتكى عثمان: أى مرض.