سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٨٩ - و أما القسم الرابع و هو الصبر على ما نزل من مكروه
قال أنس: ما صبر من بث[١].
و قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تستغزروا الدموع بالتذكّر.
و قال الشاعر:
|
و لا يبعث الأحزان مثل التّذكّر[٢] |
و مما يعين على عظم الأسى و شدة الجزع، تذكر المسارّ المنقضية، و تصوّر المضارّ الذاهبة، و كثرة الشكوى و الأسف، و قال الشاعر:
|
لا تكثر الشّكوى إلى الصّديق |
و ارجع إلى الخالق لا المخلوق |
|
|
لا يخرج الغريق بالغريق |
و في منثور الحكم: المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين.
و اعلم: أنه قل من صبر على شدة إلا و نال ما يرجوه من فرج. و ينبغي لمن نزلت به مصيبة، أو كان في شدة، أن يسهّلها على نفسه، و لا يغفل عن تذكّر ما يتيقّنه، من وجوب الفناء، و تقضّي المسار، فإن الدنيا دار من لا دار له، و مال من لا مال له، و لها يجمع من لا عقل له، و عليها يعادي من لا علم له، و عليها يحسد من لا فقه له، و لها يسعى من لا ثقة له، من صح فيها سقم، و من سقم فيها برم[٣]، و من افتقر فيها حزن، و من استغنى فيها فتن، حلالها حساب، و حرامها عقاب، و متشابهها عتاب، لا خيرها يدوم، و لا شرها يبقى، و لا فيها لمخلوق بقاء، فإذا تصور حقيقتها، فحينئذ يرى الحوادث سهلة و المصائب هينة.
و قال الشاعر:
|
يمثّل ذو اللّبّ في نفسه |
مصائب من قبل أن تنزلا |
|
|
فإن نزلت بغتة لم ترعه |
لما كان في نفسه مثّلا |
|
|
رأى الأمر يفضي إلى آخر |
فصير آخره أوّلا |
|
و قال بعض الحكماء: من حاذر لم يخدع، و من راقب لم يهلع، و من كان
[١] - البث: أشدّ الحزن: أى لم يصبر من أظهر الحزن الشديد و أكثر من الشكوى و الأسف.
[٢] - هذا شطر بيت من قصيدة للشاعرة ليلى الأخيلية ترثي فيها توبة بن حمير، و منها:
|
سألتُ حبيبى الوصلَ منه دُعابَةً |
و أعْلَمُ أنَّ الوصل ليس يكونُ |
|
|
فمَاسَ دلالًا و ابتهاجاً و قال لى |
برفقٍ مجيباً( ما سألتَ يَهُونُ) |
|
[٣] - البرم: هنا بمعنى البخل، و تأتى بمعنى الضجر و السأم.