سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٤٣ - الباب الثامن و العشرون في الحلم
و قال أكثم بن صيفيّ[١]: الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر النّدم.
و سأل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كبيرا من كبراء فارس: من أحمد ملوكهم عندهم؟ فقال: لأردشير فضل السّبق، غير أن أحمدهم سيرة أنوشروان. قال: فأيّ أخلاقه كان أغلب عليه؟ قال: الحلم و الأناة. فقال علي رضي الله عنه: هما توأم ينتجهما علوّ الهمّة.
و من محمود السيرة: أن يعرف الناس من أخلاقك، أنك لا تعجل بالثّواب و لا بالعقاب، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف و رجاء الرّاجي.
و قال محمود الوراق[٢]:
|
سألزم نفسي الصّفح عن كلّ مذنب |
و إن عظمت منه عليّ الجرائم |
|
|
فما النّاس إلّا واحد من ثلاثة |
شريف و مشروف و مثل مقاوم |
|
|
فأمّا الّذي فوقي فأعرف فضله |
و أتبع فيه الحقّ و الحقّ لازم |
|
|
و أمّا الّذي دوني فإن قال صنت عن |
إجابته نفسي و إن لام لائم |
|
|
و أمّا الّذي مثلي فإن زلّ أو هفا |
تفضّلت إنّ الحلم بالفضل حاكم |
|
و قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: أسرع الناس جوابا من لم يغضب، لا توقدنّ بين جنبيك جمرة الغضب، و أردد إساءته بالحلم، فإنّ شجر النار إذا ألحّت عليها الرياح تحاكّت أغصانها، فتشتعل نارا و تحترق من أصولها.
و قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ثلاث من اجتمعن فيه فقد سعد:
من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، و إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، و إذا قدر عفّ و كف.
و سئل جعفر بن محمد[٣] عن حدّ الحلم؟ فقال: و كيف يعرف فضل شيء لم ير كماله في أحد.
و قال الأحنف لابنه: يا بنيّ إن أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه، فإن أنصفك و إلا فاحذره.
[١] - أكثم بن صيفي: حكيم العرب في الجاهلية و أحد المعمرين أدرك الإسلام و قصد المدينة مع نفر من قومه يريدون الإسلام فمات في الطريق سنة ٩ ه. و قد قيل أنه نزل بشأنه قرآن: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ[ النساء: ١٠٠].( الأعلام ٢/ ٦).
[٢] - محمود بن حسن الوراق: شاعر، أكثر شعره في المواعظ و الحكم، روى عنه ابن أبي الدنيا و قد جمع ما وجد من شعره في ديوان، مات سنة ٢٢٥ ه.( الأعلام ٧/ ١٦٧).
[٣] - جعفر بن محمد بن الأشعث أحد ولاة الرشيد على خراسان.