سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٣٠ - الباب السادس و العشرون في بيان معرفة الخصال التي هي جمال العقل
لموضعه من الولاية عليهم، و كلّما نقص منهما قرب من السّوقة.
و قال المأمون: إني لأجد لعفوي لذّة أعظم من لذّة الانتقام.
و اعلم أنه: إذا عاقب الملك أو أهان على ظنّ بغير يقين، أدخل على نفسه من قبح الخطأ في الرأي، أعظم مما أدخل على صاحبه من العقوبة.
و قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الغالب بالشّر مغلوب، و ما ظفر من ظفر بالإثم.
و قيل لأفلاطون: أيّ شيء من أفعال الناس يشبه أفعال الله تعالى؟ فقال:
الإحسان إلى الناس.
و قال الحكيم: الحلم فدام[١] السفيه، و العفو زكاة العقل.
و قال الحكيم: السيد، الذي لا يشين حسن الظّفر بقبح الانتقام، و خير مناقب الملوك العفو.
و كان يحيى بن معاذ[٢] يقول: سبحان من أذلّ العبد بالذّنب، و أذل الذنب بالعفو ... إلهي إن عفوت فخير راحم، و إن عذّبت فغير ظالم، إلهي، إن كنت لا ترضى إلا عن أهل طاعتك، فكيف يصنع الخاطئون، و إن كان لا يرجوك إلا أهل وفائك، فبمن يستغيث المستغيثون؟!.
و قال الشاعر:
|
و إنّ اللّه ذو حلم و لكن |
لعزّ الحلم ينتقم الحليم |
|
و روي أن الحجاج أخذ أخا قطري بن الفجاءة[٣]، فقال: لأقتلنك. قال:
و لم؟. قال: لخروج أخيك علي. قال: فإن معي كتاب أمير المؤمنين، أن لا تأخذني بذنب أخي. قال: هاته. قال: إن معي أوكد منه، قال الله تعالى:
وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [فاطر: ١٨] فتعجب من جوابه و خلى سبيله.
[١] - فدام: مصفاة أو خرقة توضع على فم الإبريق ليصفى بها ما فيه أي أن الحلم يسد فم السفيه و يسكته.
[٢] - يحيى بن معاذ الواعظ الزاهد، لم يكن له نظير في وقته، أقام ببلخ و مات في نيسابور سنة ٢٥٨ ه( وفيات الأعيان ٦/ ١٦٥).
[٣] - قطري بن الفجاءة: في( ط) أخذ قطري و هذا( خطأ) و الصواب أنه أخذ أخا له: من رؤساء الخوارج و أبطالهم( من أهل قطر) و اسمه جعونة بن مازن المازني التميمي، كان خطيبا فارسا شجاعا و شاعرا، قاتل في العراق مصعب بن الزبير و قاتل جيش الحجاج لمدة ثلاث عشرة سنة، و الحجاج يسير إليه جيشا بعد جيش و هو يردهم، و لما قتل جيء برأسه إلى الحجاج سنة ٧٩ ه.